Tafseer Al Qurtubi

Multiple Ayahs

Tags

Download Links

Tafseer Al Qurtubi tafsir for Surah Ar-Rahman — Ayah 75

حُورٞ مَّقۡصُورَٰتٞ فِي ٱلۡخِيَامِ ٧٢ فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٧٣ لَمۡ يَطۡمِثۡهُنَّ إِنسٞ قَبۡلَهُمۡ وَلَا جَآنّٞ ٧٤ فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٧٥

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ﴾ (حُورٌ) جَمْعُ حَوْرَاءَ، وَهِيَ الشَّدِيدَةُ بَيَاضَ الْعَيْنِ الشَّدِيدَةُ سَوَادَهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ [[راجع ج ١٥ ص (٨٠)]].

(مَقْصُوراتٌ) مَحْبُوسَاتٌ مَسْتُورَاتٌ (فِي الْخِيامِ) فِي الْحِجَالِ لَسْنَ بِالطَّوَّافَاتِ فِي الطُّرُقِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الْخَيْمَةُ دُرَّةٌ مُجَوَّفَةٌ. وَقَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَقَالَ: هِيَ فَرْسَخٌ فِي فَرْسَخٍ لَهَا أَرْبَعَةُ آلَافِ مِصْرَاعٍ مِنْ ذَهَبٍ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ): بَلَغَنَا فِي الرِّوَايَةِ أَنَّ سَحَابَةً أَمْطَرَتْ مِنَ الْعَرْشِ فَخُلِقَتِ الْحُورُ مِنْ قَطَرَاتِ الرَّحْمَةِ، ثُمَّ ضُرِبَ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ خَيْمَةٌ عَلَى شَاطِئِ الْأَنْهَارِ سَعَتُهَا أَرْبَعُونَ مِيلًا وَلَيْسَ لَهَا بَابٌ، حَتَّى إِذَا دَخَلَ»

وَلِيُّ اللَّهِ الْجَنَّةَ انْصَدَعَتِ الْخَيْمَةُ عَنْ بَابٍ لِيَعْلَمَ وَلِيُّ اللَّهِ أَنَّ أَبْصَارَ الْمَخْلُوقِينَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالْخَدَمِ لَمْ تَأْخُذْهَا، فَهِيَ مَقْصُورَةٌ قَدْ قُصِرَ بِهَا عَنْ أَبْصَارِ الْمَخْلُوقِينَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ فِي الْأُولَيَيْنِ: (فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ) قَصَرْنَ طَرْفَهُنَّ عَلَى الْأَزْوَاجِ وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُنَّ مَقْصُورَاتٌ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَقْصُورَاتِ أَعْلَى وَأَفْضَلُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: (مَقْصُوراتٌ) قَدْ قصرن على أزواجهن فلا يردن بذلا مِنْهُمْ. وَفِي الصِّحَاحِ: وَقَصَرْتُ الشَّيْءَ أَقْصُرُهُ قَصْرًا حَبَسْتُهُ، وَمِنْهُ مَقْصُورَةُ الْجَامِعِ، وَقَصَرْتُ الشَّيْءَ عَلَى كَذَا إِذَا لَمْ تُجَاوِزْ إِلَى غَيْرِهِ، وَامْرَأَةٌ قَصِيرَةٌ وَقَصُورَةٌ أَيْ مَقْصُورَةٌ فِي الْبَيْتِ لَا تُتْرَكُ أَنْ تَخْرُجَ، قَالَ كُثَيِّرٌ:

وَأَنْتِ الَّتِي حَبَّبْتِ كُلَّ قَصِيرَةٍ ... إِلَيَّ وَمَا تَدْرِي بِذَاكَ الْقَصَائِرُ

عَنَيْتُ قَصِيرَاتِ الْحِجَالِ وَلَمْ أُرِدْ ... قِصَارَ الْخُطَا شَرُّ النِّسَاءِ الْبَحَاتِرُ [[البحاتر: جمع بحترة بضم الباء القصيرة المجتمعة الخلق.]]

وَأَنْشَدَهُ الْفَرَّاءُ قَصُورَةٍ، ذَكَرَهُ ابْنُ السِّكِّيتِ. وَرَوَى أَنَسٌ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي فِي الْجَنَّةِ بِنَهَرٍ حَافَّتَاهُ قِبَابُ الْمَرْجَانِ فَنُودِيتُ مِنْهُ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَؤُلَاءِ قَالَ هَؤُلَاءِ جَوَارٍ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ اسْتَأْذَنَّ رَبَّهُنَّ فِي أَنْ يُسَلِّمْنَ عَلَيْكَ فَأَذِنَ لَهُنَّ فَقُلْنَ نَحْنُ الْخَالِدَاتُ فَلَا نَمُوتُ أَبَدًا وَنَحْنُ النَّاعِمَاتُ فَلَا نَبْؤُسُ أَبَدًا وَنَحْنُ الرَّاضِيَاتُ فَلَا نَسْخَطُ أَبَدًا أَزْوَاجُ رِجَالٍ كِرَامٍ) ثُمَّ قَرَأَ النَّبِيُّ ﷺ (حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ) أَيْ مَحْبُوسَاتٌ حَبْسُ صِيَانَةٍ وَتَكْرِمَةٍ. وَرُوِيَ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ [[في نسخ الأصل بنت عبيد والتصحيح من التهذيب.]] الْأَشْهَلِيَّةِ أَنَّهَا أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا مَعْشَرَ النِّسَاءِ مَحْصُورَاتٌ مَقْصُورَاتٌ، قَوَاعِدُ بُيُوتِكُمْ وَحَوَامِلُ أَوْلَادِكُمْ، فَهَلْ نُشَارِكُكُمْ فِي الْأَجْرِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (نَعَمْ إِذَا أَحْسَنْتُنَّ [[مصاحبتهم في الزوجية والعشرة]] تَبَعُّلَ أَزْوَاجَكُنَّ وَطَلَبْتُنَّ مَرْضَاتَهُمْ).

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾ أَيْ لَمْ يَمْسَسْهُنَّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ قَبْلُ. وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ (يَطْمِثْهُنَّ) بِكَسْرِ الْمِيمِ. وَقَرَأَ أَبُو حَيْوَةَ الشَّامِيُّ وَطَلْحَةُ بن مصرف والأعرج والشيرازي عن الكسائي بِضَمِّ الْمِيمِ فِي الْحَرْفَيْنِ. وَكَانَ الْكِسَائِيُّ يَكْسِرُ إِحْدَاهُمَا وَيَضُمُّ الْأُخْرَى وَيُخَيِّرُ فِي ذَلِكَ، فَإِذَا رَفَعَ الْأُولَى كَسَرَ الثَّانِيَةَ وَإِذَا كَسَرَ الْأُولَى رَفَعَ الثَّانِيَةَ. وَهِيَ قِرَاءَةُ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: كُنْتُ أُصَلِّي خَلْفَ أَصْحَابِ عَلِيٍّ فَيَرْفَعُونَ الْمِيمَ، وَكُنْتُ أُصَلِّي خَلْفَ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ فَيَكْسِرُونَهَا، فَاسْتَعْمَلَ الْكِسَائِيُّ الْأَثَرَيْنِ. وَهُمَا لُغَتَانِ طَمُثَ وَطَمِثَ مِثْلُ يَعْرُشُونَ وَيَعْكِفُونَ، فَمَنْ ضَمَّ فَلِلْجَمْعِ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ، وَمَنْ كَسَرَ فَلِأَنَّهَا اللُّغَةُ السَّائِرَةُ. وَإِنَّمَا أَعَادَ قَوْلَهُ: (لَمْ يَطْمِثْهُنَّ، لِيُبَيِّنَ أَنَّ صِفَةَ الْحُورِ الْمَقْصُورَاتِ فِي الْخِيَامِ كَصِفَةِ الْحُورِ الْقَاصِرَاتِ الطَّرْفِ. يَقُولُ: إِذَا [قُصِرْنَ [[في الأصول كلها: إذا ضجرن إلخ والضجر لا يجوز في الجنة ولذا أثبثنا بدل ضجرن قصرن.]]] كانت لهن الخيام في تلك الحال.