سُورَةُ الْمُنَافِقُونَ مَدَنِيَّةٌ فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ، وَهِيَ إِحْدَى عَشْرَةَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ (١)
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَمِّي فسمعت عبد الله بن أبي بن سَلُولَ يَقُولُ: "لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا". وَقَالَ: لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَ
فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَمِّي فَذَكَرَ عَمِّي لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وَأَصْحَابِهِ فَحَلَفُوا مَا قَالُوا، فَصَدَّقَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَكَذَّبَنِي. فَأَصَابَنِي هَمٌّ لَمْ يُصِبْنِي مِثْلُهُ، فَجَلَسْتُ فِي بَيْتِي فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ- إِلَى قَوْلِهِ- هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ- إِلَى قَوْلِهِ- لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ" فَأَرْسَلَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ قَدْ صَدَّقَكَ) خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ مَعَنَا أُنَاسٌ مِنَ الْأَعْرَابِ فَكُنَّا نبد الْمَاءَ، وَكَانَ الْأَعْرَابُ يَسْبِقُونَا إِلَيْهِ فَيَسْبِقُ الْأَعْرَابِيُّ أَصْحَابَهُ فَيَمْلَأُ الْحَوْضَ وَيَجْعَلُ حَوْلَهُ حِجَارَةً، وَيَجْعَلُ النطع [[بساط من جلد.]] عليه حتى تجئ أَصْحَابُهُ. قَالَ: فَأَتَى رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ أَعْرَابِيًّا فَأَرْخَى زِمَامَ نَاقَتِهِ لِتَشْرَبَ فَأَبَى أَنْ يَدَعَهُ، فَانْتَزَعَ حَجَرًا [[في الترمذي: "فانتزع قباض الماء".]] فَغَاضَ الْمَاءُ، فَرَفَعَ الْأَعْرَابِيُّ خَشَبَةً فَضَرَبَ بِهَا رَأْسَ الْأَنْصَارِيِّ فَشَجَّهُ، فَأَتَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ رَأْسَ الْمُنَافِقِينَ فَأَخْبَرَهُ- وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِهِ- فَغَضِبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ثُمَّ قَالَ: لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِهِ- يَعْنِي الْأَعْرَابَ- وَكَانُوا يَحْضُرُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ الطَّعَامِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: إِذَا انْفَضُّوا مِنْ عِنْدِ مُحَمَّدٍ فَأْتُوا مُحَمَّدًا بِالطَّعَامِ، فَلْيَأْكُلْ هُوَ وَمَنْ عِنْدَهُ. ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: لَئِنْ رَجَعْتُمْ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ. قَالَ زَيْدٌ: وَأَنَا رِدْفُ [[في الترمذي: "وأنا رِدْفِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ".]] عَمِّي فَسَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ فَأَخْبَرْتُ عَمِّي، فَانْطَلَقَ فَأَخْبَرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَحَلَفَ وَجَحَدَ. قَالَ: فَصَدَّقَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَكَذَّبَنِي. قَالَ: فَجَاءَ عَمِّي إِلَيَّ فَقَالَ: مَا أَرَدْتَ إِلَى أَنْ مَقَتَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَكَذَّبَكَ وَالْمُنَافِقُونَ [[في الترمذي: "والمسلمون".]]. قَالَ: فَوَقَعَ عَلَيَّ مِنْ جُرْأَتِهِمْ مَا لَمْ يَقَعْ [[في الترمذي: "فوقع على من الهم ما لم ...... ".]] عَلَى أَحَدٍ. قَالَ: فبينما أنا أسير مع رسول اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ قد خفقت بِرَأْسِي مِنَ الْهَمِّ إِذْ أَتَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَعَرَكَ أُذُنِي وَضَحِكَ فِي وَجْهِي، فَمَا كَانَ يَسُرُّنِي أَنَّ لِي بِهَا الْخُلْدَ فِي الدُّنْيَا. ثُمَّ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ لَحِقَنِي فَقَالَ: مَا قَالَ لَكَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قُلْتُ: مَا قَالَ شَيْئًا إِلَّا أَنَّهُ عَرَكَ أُذُنِي وَضَحِكَ فِي وَجْهِي، فَقَالَ أَبْشِرْ! ثُمَّ لَحِقَنِي عُمَرُ فَقُلْتُ لَهُ مِثْلَ قَوْلِي لِأَبِي بَكْرٍ. فَلَمَّا أَصْبَحْنَا قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُورَةَ الْمُنَافِقِينَ. قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وسيل حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ عَنِ الْمُنَافِقِ، فَقَالَ: الَّذِي يَصِفُ الْإِسْلَامَ وَلَا يَعْمَلُ بِهِ. وَهُوَ الْيَوْمَ شَرٌّ مِنْهُمْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْتُمُونَهُ وَهُمُ الْيَوْمَ يُظْهِرُونَهُ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا ائتمن خَانَ). وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا ائتمن خَانَ وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ (. أَخْبَرَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّ مَنْ جَمَعَ هَذِهِ الْخِصَالَ كَانَ مُنَافِقًا، وَخَبَرُهُ صِدْقٌ. وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ ذُكِرَ لَهُ هَذَا الْحَدِيثُ فَقَالَ: إِنَّ بَنِي يَعْقُوبَ حَدَّثُوا فكذبوا ووعدوا فأخلفوا وأتمنوا فَخَانُوا. إِنَّمَا هَذَا الْقَوْلُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى سَبِيلِ الْإِنْذَارِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَالتَّحْذِيرِ لَهُمْ أَنْ يَعْتَادُوا هَذِهِ الْخِصَالَ، شَفَقًا أَنْ تَقْضِيَ بِهِمْ إِلَى النِّفَاقِ. وَلَيْسَ الْمَعْنَى: أَنَّ مَنْ بَدَرَتْ مِنْهُ هَذِهِ الْخِصَالُ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ وَاعْتِيَادٍ أَنَّهُ مُنَافِقٌ. وَقَدْ مَضَى في سورة "براءة" الْقَوْلُ فِي هَذَا مُسْتَوْفًى وَالْحَمْدُ لِلَّهِ [[راجع ج ٨ ص (٢١٢)]]. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (الْمُؤْمِنُ إِذَا حَدَّثَ صَدَقَ وَإِذَا وَعَدَ أَنْجَزَ وَإِذَا ائتمن وَفَّى). وَالْمَعْنَى: الْمُؤْمِنُ الْكَامِلُ إِذَا حَدَّثَ صَدَقَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ قِيلَ: مَعْنَى نَشْهَدُ نَحْلِفُ. فَعَبَّرَ عَنِ الْحَلِفِ بِالشَّهَادَةِ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْحَلِفِ وَالشَّهَادَةِ إِثْبَاتٌ لِأَمْرٍ مُغَيَّبٍ [[في أ: "لأمر معين".]] وَمِنْهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ ذُرَيْحٍ.
وَأَشْهَدُ عِنْدَ اللَّهِ أَنِّي أُحِبُّهَا ... فَهَذَا لَهَا عِنْدِي فَمَا عِنْدَهَا لِيَا
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَحْمُولًا عَلَى ظَاهِرِهِ أَنَّهُمْ يَشْهَدُونَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اعْتِرَافًا بِالْإِيمَانِ وَنَفْيًا لِلنِّفَاقِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، وَهُوَ الْأَشْبَهُ.
(وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ) كَمَا قَالُوهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ.
(وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ) أَيْ فِيمَا أَظْهَرُوا مِنْ شَهَادَتِهِمْ وَحَلِفِهِمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ بِضَمَائِرِهِمْ، فَالتَّكْذِيبُ رَاجِعٌ إِلَى الضَّمَائِرِ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ تَصْدِيقُ الْقَلْبِ، وَعَلَى أَنَّ الْكَلَامَ الْحَقِيقِيَّ كَلَامُ الْقَلْبِ. وَمَنْ قَالَ شَيْئًا وَاعْتَقَدَ خِلَافَهُ فَهُوَ كَاذِبٌ. وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فِي أَوَّلِ "الْبَقَرَةِ" مُسْتَوْفًى [[راجع ج ١ ص (١٩٢)]] وَقِيلَ: أَكْذَبَهُمُ اللَّهُ فِي أَيْمَانِهِمْ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ [[راجع ج ٨ ص ١٦٤ وص ٢٠٦]] [التوبة: ٥٦].