Tafsir As-Saadi

Multiple Ayahs

Tags

Download Links

Tafsir As-Saadi tafsir for Surah Al-Qalam — Ayah 45

فَذَرۡنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَٰذَا ٱلۡحَدِيثِۖ سَنَسۡتَدۡرِجُهُم مِّنۡ حَيۡثُ لَا يَعۡلَمُونَ ٤٤ وَأُمۡلِي لَهُمۡۚ إِنَّ كَيۡدِي مَتِينٌ ٤٥ أَمۡ تَسۡـَٔلُهُمۡ أَجۡرٗا فَهُم مِّن مَّغۡرَمٖ مُّثۡقَلُونَ ٤٦ أَمۡ عِندَهُمُ ٱلۡغَيۡبُ فَهُمۡ يَكۡتُبُونَ ٤٧ فَٱصۡبِرۡ لِحُكۡمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ ٱلۡحُوتِ إِذۡ نَادَىٰ وَهُوَ مَكۡظُومٞ ٤٨ لَّوۡلَآ أَن تَدَٰرَكَهُۥ نِعۡمَةٞ مِّن رَّبِّهِۦ لَنُبِذَ بِٱلۡعَرَآءِ وَهُوَ مَذۡمُومٞ ٤٩ فَٱجۡتَبَٰهُ رَبُّهُۥ فَجَعَلَهُۥ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٥٠ وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَيُزۡلِقُونَكَ بِأَبۡصَٰرِهِمۡ لَمَّا سَمِعُواْ ٱلذِّكۡرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُۥ لَمَجۡنُونٞ ٥١ وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكۡرٞ لِّلۡعَٰلَمِينَ ٥٢
{44 ـ 45} أي: دعني والمكذِّبين بالقرآن العظيم؛ فإنَّ عليَّ جزاءهم، ولا تستعجل لهم؛ فسنستدرِجُهم {من حيث لا يعلمونَ}: فنُمِدُّهم بالأموال والأولاد، ونُمِدُّهم في الأرزاق والأعمال؛ ليغتروا ويستمرُّوا على ما يضرُّهم، وهذا من كيد الله لهم. وكيدُ الله لأعدائه متينٌ قويٌّ، يبلغ من ضررهم وعقوبتهم كلَّ مبلغ.
{46}{أم تسألهم أجراً فهم من مَغۡرَم مُثۡقَلون}؛ أي: ليس لنفورهم عنك وعدم تصديقهم لك سببٌ يوجب لهم ذلك ؛ فإنَّك تعلِّمُهم وتدعوهم إلى الله لمحض مصلحتهم من غير أن تطلبهم من أموالهم مغرماً يَثْقُلُ عليهم.
{47}{أم عندَهم الغيبُ فهم يكتُبون}: ما كان عندهم من الغيوب، وقد وجدوا [فيها] أنَّهم على حقٍّ، وأنَّ لهم الثواب عند الله؛ فهذا أمرٌ ما كان، وإنَّما كانت حالهم حال معاندٍ ظالم.
{48 ـ 50} فلم يبقَ إلاَّ الصبر لأذاهم والتحمُّل لما يصدُرُ منهم والاستمرار على دعوتهم، ولهذا قال:{فاصبِرۡ لحكم ربِّك}؛ أي: لما حكم به شرعاً وقدراً؛ فالحكم القدريُّ يُصْبَرُ على المؤذي منه ولا يُتَلَقَّى بالسخط والجزع، والحكم الشرعيُّ يقابَلُ بالقَبول والتسليم والانقياد [التامِّ] لأمرِهِ. وقوله:{ولا تكن كصاحب الحوتِ}: وهو يونس بن متى عليه الصلاة والسلام؛ أي: ولا تشابِهه في الحال التي أوصلَتْه وأوجبت له الانحباس في بطن الحوت، وهو عدم صبره على قومِهِ الصبرَ المطلوب منه وذَهابُه مغاضباً لربِّه، حتى ركب [في] البحر، فاقترع أهل السفينة حين ثقلت بأهلها أيُّهم يلقون؛ لكي تَخِفَّ بهم، فوقعت القرعةُ عليه، فالتقمه الحوتُ وهو مليمٌ. وقوله:{إذ نادى وهو مكظومٌ}؛ أي: وهو في بطنها قد كظمت عليه، أو: نادى وهو مغتمٌّ مهتمٌّ، فقال: لا إله إلا أنت سبحانك إنِّي كنت من الظالمين، فاستجاب الله له، وقَذَفَتْه الحوتُ من بطنها بالعراء وهو سقيمٌ، وأنبت الله عليه شجرةً من يقطينٍ، ولهذا قال هنا:{لولا أن تدارَكَه نعمةٌ من ربِّه لَنُبِذَ بالعراء}؛ أي: لَطُرِحَ في العراء، وهي الأرض الخالية، {وهو مذمومٌ}: ولكنَّ الله تغمَّده برحمته، فَنُبِذَ وهو ممدوحٌ، وصارت حالُه أحسنَ من حاله الأولى، ولهذا قال:{فاجتباه ربُّه}؛ أي: اختاره واصطفاه ونقَّاه من كلِّ كدرٍ، {فجعله من الصالحين}؛ أي: الذين صَلَحَتْ أعمالهم وأقوالهم ونيَّاتهم وأحوالهم.
{51 ـ 52} فامتثل نبيُّنا محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - أمر الله ، فصبر لحكم ربِّه صبراً لا يدركه [فيه] أحدٌ من العالمين، فجعل الله له العاقبة، والعاقبةُ للمتقين، ولم يبلغ أعداؤه فيه إلاَّ ما يسوؤهم، حتى إنَّهم حرصوا على أن يُزْلِقوه {بأبصارهم}؛ أي: يصيبوه بأعينهم من حسدهم وحنقهم وغيظهم. هذا منتهى ما قدروا عليه من الأذى الفعليِّ، والله حافظه وناصِرُه. وأمَّا الأذى القوليُّ؛ فيقولون فيه أقوالاً بحسب ما توحي إليهم قلوبهم، فيقولون تارةً: مجنونٌ! وتارةً: شاعرٌ! وتارة: ساحرٌ! قال تعالى: {وما هو إلا ذكرٌ للعالمين}؛ أي: وما هذا القرآن العظيم والذِّكر الحكيم إلاَّ ذكرٌ للعالمين، يتذكَّرون به مصالح دينهم ودنياهم. والحمد لله.

* * *