Tafsir Al-Razi

Multiple Ayahs

Tags

Download Links

Tafsir Al-Razi tafsir for Surah Al-'Adiyat — Ayah 9

۞ أَفَلَا يَعۡلَمُ إِذَا بُعۡثِرَ مَا فِي ٱلۡقُبُورِ ٩ وَحُصِّلَ مَا فِي ٱلصُّدُورِ ١٠

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا عَدَّ عَلَيْهِ قَبائِحَ أفْعالِهِ خَوَّفَهُ، فَقالَ: ﴿أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: القَوْلُ في: ”بُعْثِرَ“ مَضى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا القُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ [الانفطار: ٤] وذَكَرْنا أنَّ مَعْنى: ﴿بُعْثِرَتْ﴾ بُعِثَ وأُثِيرَ وأُخْرِجَ، وقُرِئَ ”بُحْثِرَ“ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَسْألَ لِمَ قالَ: ﴿بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ ولَمْ يَقُلْ: بُعْثِرَ مَن في القُبُورِ ؟ ثُمَّ إنَّهُ لَمّا قالَ: ما في القُبُورِ، فَلِمَ قالَ: ﴿إنَّ رَبَّهم بِهِمْ﴾ ولَمْ يَقُلْ: إنَّ رَبَّها بِها يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ ؟

الجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ: هو أنَّ ما في الأرْضِ مِن غَيْرِ المُكَلَّفِينَ أكْثَرُ فَأخْرَجَ الكَلامَ عَلى الأغْلَبِ، أوْ يُقالُ: إنَّهم حالَ ما يُبْعَثُونَ لا يَكُونُونَ أحْياءً عُقَلاءَ بَلْ بَعْدَ البَعْثِ يَصِيرُونَ كَذَلِكَ، فَلا جَرَمَ كانَ الضَّمِيرُ الأوَّلُ ضَمِيرَ غَيْرِ العُقَلاءِ، والضَّمِيرُ الثّانِي ضَمِيرَ العُقَلاءِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، أيْ مُيِّزَ ما في الصُّدُورِ، وقالَ اللَّيْثُ: الحاصِلُ مِن كُلِّ شَيْءٍ ما بَقِيَ وثَبَتَ وذَهَبَ سِواهُ، والتَّحْصِيلُ تَمْيِيزُ ما يَحْصُلُ والِاسْمُ الحَصِيلَةُ قالَ لَبِيدٌ:

وكُلُّ امْرِئٍ يَوْمًا سَيَعْلَمُ سَعْيَهُ إذا حَصَلَتْ عِنْدَ الإلَهِ الحَصائِلُ

وفِي التَّفْسِيرِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: مَعْنى حُصِّلَ جُمِعَ في الصُّحُفِ، أيْ أُظْهِرَتْ مُحَصَّلًا مَجْمُوعًا.

وثانِيها: أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الواجِبِ، والمَندُوبِ، والمُباحِ، والمَكْرُوهِ، والمَحْظُورِ، فَإنَّ لِكُلٍّ واحِدٌ، ومِنهُ قِيلَ لِلْمُنْخُلِ: المُحَصِّلُ.

وثالِثُها: أنَّ كَثِيرًا ما يَكُونُ باطِنُ الإنْسانِ بِخِلافِ ظاهِرِهِ، أمّا في يَوْمِ القِيامَةِ فَإنَّهُ تَتَكَشَّفُ الأسْرارُ وتُنْتَهَكُ الأسْتارُ، ويَظْهَرُ ما في البَواطِنِ، كَما قالَ: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ . [الطارق: ٩] واعْلَمْ أنَّ حَظَّ الوَعْظِ مِنهُ أنْ يُقالَ: إنَّكَ تَسْتَعِدُّ فِيما لا فائِدَةَ لَكَ فِيهِ، فَتَبْنِي المَقْبَرَةَ وتَشْتَرِي التّابُوتَ، وتُفَصِّلُ الكَفَنَ، وتَغْزِلُ العَجُوزُ الكَفَنَ، فَيُقالُ: هَذا كُلُّهُ لِلدِّيدانِ، فَأيْنَ حَظُّ الرَّحْمَنِ ! بَلِ المَرْأةُ إذا كانَتْ حامِلًا فَإنَّها تُعِدُّ لِلطِّفْلِ ثِيابًا، فَإذا قُلْتَ لَها: لا طِفْلَ لَكِ فَما هَذا الِاسْتِعْدادُ ؟ فَتَقُولُ: ألَيْسَ يُبَعْثَرُ ما في بَطْنِي ؟ فَيَقُولُ الرَّبُّ لَكَ: ألا يُبَعْثَرُ ما في بَطْنِ الأرْضِ، فَأيْنَ الِاسْتِعْدادُ، وقُرِئَ ”وحَصَلَ“ بِالفَتْحِ والتَّخْفِيفِ بِمَعْنى ظَهَرَ.