You are reading tafsir of 2 ayahs: 61:12 to 61:13.
ثُمَّ قالَ تَعالى:
﴿يَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم ويُدْخِلْكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿وأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكُمْ﴾ جَوابُ قَوْلِهِ: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لِما أنَّهُ في مَعْنى الأمْرِ، كَما مَرَّ، فَكَأنَّهُ قالَ: آمِنُوا بِاللَّهِ وجاهِدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ يَغْفِرْ لَكم، وقِيلَ جَوابُهُ: ﴿ذَلِكم خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وجُزِمَ: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ لِما أنَّهُ تَرْجَمَةُ: ﴿ذَلِكم خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ومَحَلُّهُ جَزْمٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ فَأصَّدَّقَ وأكُنْ﴾ [المنافقون: ١٠] لِأنَّ مَحَلَّ ﴿فَأصَّدَّقَ﴾ جَزْمٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لَوْلا أخَّرْتَنِي﴾ قِيلَ: جُزِمَ (يَغْفِرْ لَكم) بِهَلْ، لِأنَّهُ في مَعْنى الأمْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُدْخِلْكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، مِن جُمْلَةِ ما قُدِّمَ بَيانُهُ في التَّوْراةِ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى رَغَّبَهم في هَذِهِ الآيَةِ إلى مُفارَقَةِ مَساكِنِهِمْ وإنْفاقِ أمْوالِهِمْ والجِهادِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ يَعْنِي ذَلِكَ
صفحة ٢٧٦
الجَزاءُ الدّائِمُ هو الفَوْزُ العَظِيمُ، وقَدْ مَرَّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُخْرى تُحِبُّونَها﴾ أيْ تِجارَةٌ أُخْرى في العاجِلِ مَعَ ثَوابِ الآجِلِ، قالَ الفَرّاءُ: وخَصْلَةٌ أُخْرى تُحِبُّونَها في الدُّنْيا مَعَ ثَوابِ الآخِرَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ﴾ هو مُفَسِّرٌ لِلْأُخْرى، لِأنَّهُ يَحْسُنُ أنْ يَكُونَ: ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ﴾ مُفَسِّرًا لِلتِّجارَةِ إذِ النَّصْرُ لا يَكُونُ تِجارَةً لَنا بَلْ هو رِبْحٌ لِلتِّجارَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ أيْ عاجِلٌ وهو فَتْحُ مَكَّةَ، وقالَ الحَسَنُ: هو فَتْحُ فارِسَ والرُّومِ، وفي ﴿تُحِبُّونَها﴾ شَيْءٌ مِنَ التَّوْبِيخِ عَلى مَحَبَّةِ العاجِلِ، ثُمَّ في الآيَةِ مَباحِثُ:الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى (تُؤْمِنُونَ) لِأنَّهُ في مَعْنى الأمْرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: آمِنُوا وجاهِدُوا يُثِبْكُمُ اللَّهُ ويَنْصُرْكم، وبَشِّرْ يا رَسُولَ اللَّهِ المُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ. ويُقالُ أيْضًا: بِمَ نَصَبَ مَن قَرَأ: نَصْرًا مِنَ اللَّهِ وفَتْحًا قَرِيبًا ؟، فَيُقالُ: عَلى الِاخْتِصاصِ، أوْ عَلى تُنْصَرُونَ نَصْرًا، ويَفْتَحُ لَكم فَتْحًا، أوْ عَلى يَغْفِرْ لَكم، ويُدْخِلْكم ويُؤْتِكم خَيْرًا، ويَرى نَصْرًا وفَتْحًا، هَكَذا ذُكِرَ في الكَشّافِ.