You are reading tafsir of 2 ayahs: 76:13 to 76:14.
والثّانِي: هو المَسْكَنُ، فَوَصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا ولا زَمْهَرِيرًا﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ هَواءَها مُعْتَدِلٌ في الحَرِّ والبَرْدِ.
والثّانِي: أنَّ الزَّمْهَرِيرَ هو القَمَرُ في لُغَةِ طَيِّئٍ؛ هَكَذا رَواهُ ثَعْلَبٌ، وأنْشَدَ:
ولَيْلَةٍ ظَلامُها قَدِ اعْتَكَرْ قَطَعْتُها والزَّمْهَرِيرُ ما زَهَرْ
والمَعْنى: أنَّ الجَنَّةَ ضِياءٌ، فَلا يُحْتاجُ فِيها إلى شَمْسٍ وقَمَرٍ.والثّالِثُ: كَوْنُهُ بُسْتانًا نَزِهًا، فَوَصَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ودانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها﴾ وفي الآيَةِ سُؤالانِ:
الأوَّلُ: ما السَّبَبُ في نَصْبِ ”ودانِيَةً“ ؟ (الجَوابُ): ذَكَرَ الأخْفَشُ والكِسائِيُّ والفَرّاءُ والزَّجّاجُ فِيهِ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: الحالُ بِالعَطْفِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ كَما تَقُولُ: في الدّارِ عَبْدُ اللَّهِ مُتَّكِئًا ومُرْسَلَةً عَلَيْهِ الحِجالُ؛ لِأنَّهُ حَيْثُ قالَ: (عَلَيْهِمْ) رَجَعَ إلى ذِكْرِهِمْ.
والثّانِي: الحالُ بِالعَطْفِ عَلى مَحَلِّ: ﴿لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا ولا زَمْهَرِيرًا﴾، والتَّقْدِيرُ: غَيْرَ رائِينَ فِيها شَمْسًا ولا زَمْهَرِيرًا ﴿ودانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها﴾، ودَخَلَتِ الواوُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الأمْرَيْنِ يَجْتَمِعانِ لَهم، كَأنَّهُ قِيلَ: وجَزاهم جَنَّةً جامِعِينَ فِيها بَيْنَ البُعْدِ عَنِ الحَرِّ والبَرْدِ، ودُنُوِّ الظِّلالِ عَلَيْهِمْ.
والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ ”دانِيَةً“ نَعْتًا لِلْجَنَّةِ، والمَعْنى: وجَزاهم جَنَّةً دانِيَةً، وعَلى هَذا الجَوابِ تَكُونُ ”دانِيَةً“ صِفَةً
صفحة ٢٢٠
لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: وجَزاهم بِما صَبَرُوا جَنَّةً وحَرِيرًا، وجَنَّةً أُخْرى دانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها؛ وذَلِكَ لِأنَّهم وُعِدُوا جَنَّتَيْنِ، وذَلِكَ لِأنَّهم خافُوا، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿إنّا نَخافُ مِن رَبِّنا﴾ وكُلُّ مَن خافَ فَلَهُ جَنَّتانِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]، وقُرِئَ: ”ودانِيَةٌ“ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ ﴿ظِلالُها﴾ مُبْتَدَأٌ، و”دانِيَةٌ“ خَبَرٌ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، والمَعْنى: ﴿لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا ولا زَمْهَرِيرًا﴾، والحالُ أنَّ ظِلالَها دانِيَةٌ عَلَيْهِمْ.السُّؤالُ الثّانِي: الظِّلُّ إنَّما يُوجَدُ حَيْثُ تُوجَدُ الشَّمْسُ، فَإنْ كانَ لا شَمْسَ في الجَنَّةِ فَكَيْفَ يَحْصُلُ الظِّلُّ هُناكَ ؟ (والجَوابُ): أنَّ المُرادَ أنَّ أشْجارَ الجَنَّةِ تَكُونُ بِحَيْثُ لَوْ كانَ هُناكَ شَمْسٌ لَكانَتْ تِلْكَ الأشْجارُ مُظَلِّلَةً مِنها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا﴾ ذَكَرُوا في ”ذُلِّلَتْ“ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ”ذُلِّلَتْ“ أُدْنِيَتْ مِنهم، مِن قَوْلِهِمْ: حائِطٌ ذَلِيلٌ إذا كانَ قَصِيرَ السَّمْكِ.
والثّانِي: ”ذُلِّلَتْ“ أيْ جُعِلَتْ مُنْقادَةً، ولا تَمْتَنِعُ عَلى قُطّافِها كَيْفَ شاءُوا. قالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ: ذُلِّلَتْ لَهم، فَهم يَتَناوَلُونَ مِنها كَيْفَ شاءُوا، فَمَن أكَلَ قائِمًا لَمْ يُؤْذِهِ، ومَن أكَلَ جالِسًا لَمْ يُؤْذِهِ، ومَن أكَلَ مُضْطَجِعًا لَمْ يُؤْذِهِ.