أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في الأثْقالِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ جَمْعُ ثَقَلٍ وهو مَتاعُ البَيْتِ: ﴿وتَحْمِلُ أثْقالَكُمْ﴾ [النحل: ٧] جَعَلَ ما في جَوْفِها مِنَ الدَّفائِنِ أثْقالًا لَها، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والأخْفَشُ: إذا كانَ المَيِّتُ في بَطْنِ الأرْضِ فَهو ثِقْلٌ لَها، وإذا كانَ فَوْقَها فَهو ثِقْلٌ عَلَيْها، وقِيلَ: سُمِّيَ الجِنُّ والإنْسُ بِالثَّقَلَيْنِ لِأنَّ الأرْضَ تَثْقُلُ بِهِمْ إذا كانُوا في بَطْنِها ويَثْقُلُونَ عَلَيْها إذا كانُوا فَوْقَها، ثُمَّ قالَ: المُرادُ مِن هَذِهِ الزَّلْزَلَةِ الزَّلْزَلَةُ الأُولى، يَقُولُ: أخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها، يَعْنِي الكُنُوزَ فَيَمْتَلِئُ ظَهْرُ الأرْضِ ذَهَبًا ولا أحَدَ يَلْتَفِتُ إلَيْهِ، كَأنَّ الذَّهَبَ يَصِيحُ ويَقُولُ: أما كُنْتَ تُخَرِّبُ دِينَكَ ودُنْياكَ لِأجْلِي ! أوْ تَكُونُ الفائِدَةُ في إخْراجِها كَما قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ﴾ [ التَّوْبَةِ: ٣٥] ومَن قالَ: المُرادُ مِن هَذِهِ الزَّلْزَلَةِ الثّانِيَةُ وهي بَعْدَ القِيامَةِ، قالَ: تُخْرِجُ الأثْقالَ يَعْنِي المَوْتى أحْياءً كالأُمِّ تَلِدُهُ حَيًّا، وقِيلَ: تَلْفِظُهُ الأرْضُ مَيِّتًا كَما دُفِنَ ثُمَّ يُحْيِيهِ اللَّهُ تَعالى.
والقَوْلُ الثّانِي:
صفحة ٥٦
أثْقالَها: أسْرارَها فَيَوْمَئِذَ تُكْشَفُ الأسْرارُ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ فَتَشْهَدُ لَكَ أوْ عَلَيْكَ.المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَةِ الأرْضِ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ [المُرْسَلاتِ: ٢٥] ثُمَّ صارَتْ بِحالٍ تَرْمِيكَ وهو تَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ﴾ [ الحَجِّ: ٢] وقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ﴾ . [ عَبَسَ: ٣٤]