٧١٠٨٨- عن عبد الله بن عباس -من طريق عطاء-: إنّ اليهود شَتموا النبي ﷺ والمسلمين لَمّا نزل قوله: ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ [الأحقاف:٩]. وقالوا: كيف نتَّبع رجلًا لا يدري ما يُفعل به؟! فاشتدّ ذلك على النبي ﷺ؛ فأنزل الله تعالى: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ﴾[[أورده الواحدي في أسباب النزول ص٣٨٢-٣٨٣.]]. (ز)
٧١٠٨٩- قال محمد بن شهاب الزُّهريّ: وفي «حم الأحقاف» [٩] قوله تعالى: ﴿قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم﴾، نَسَختْها هذه الآية، قوله تعالى: ﴿إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ ... إلى قوله: ﴿ويهديك صراطا مستقيما﴾. فعلم سبحانه ما يفعل به مِن الكرامة، فقال رجل مِن الأنصار: قد حدّثك ربُّك ما يفعل بك مِن الكرامة، فهنيئًا لك، يا رسول الله، فما يفعل بنا نحن؟ فقال سبحانه: ﴿وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا﴾ [الأحزاب:٤٧]. وقال تعالى: ﴿ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ [الفتح:٥]. فبيّن تعالى في هذه الآية كيف يفعل به وبهم[[الناسخ والمنسوخ للزهري ص٣٣.]]. (ز)
٧١٠٩٠- قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ يوم الحُدَيبية فَتْحًا مُبِينًا﴾، وذلك أنّ الله تعالى أنزل بمكة على نبيّه ﷺ: ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ [الأحقاف:٩]، ففرح كفار مكة بذلك، وقالوا: واللّات والعُزّى، ما أمره وأمرنا عند إلهه الذي يعبده إلا واحد، ولولا أنّه ابتدع هذا الأمر مِن تلقاء نفسه لكان ربّه الذي بعثه يخبره بما يفعل به وبمن اتّبعه كما فعل بسليمان بن داود، وبعيسى ابن مريم والحواريين، وكيف أخبرهم بمصيرهم، فأمّا محمد فلا علم له بما يُفعل به ولا بنا! إنّ هذا لهو الضّلال كلّ الضّلال. فشقّ على المسلمين نزول هذه الآية، فقال أبو بكر وعمر ﵄ للنبي ﷺ: ألا تخبرنا ما اللهُ فاعل بك؟ فقال: «ما أحدث الله إلَيَّ أمرٌ بعد». فلما قدم المدينة قال عبد الله بن أُبيّ رأس المنافقين: كيف تتّبعون رجلًا لا يدري ما يفعل الله به، ولا بمن اتبعه؟ وضحكوا من المؤمنين، وعلم الله ما في قلوب المؤمنين مِن الحُزن، وعَلِم فَرَح المشركين من أهل مكة، وفَرَح المنافقين من أهل المدينة، فأنزل الله تعالى بالمدينة بعد ما رجع النبي ﷺ من الحُدَيبية: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ يوم الحُدَيبية فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ويَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا ويَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾، فنَسَخَت هذه الآية قوله: ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ [الأحقاف:٩]، فأخبر الله تعالى نبيّه ﷺ بما يفعل به، فنزلت هذه الآية على النبي ﷺ، فلمّا سمع عبد الله بن أُبَيّ رأس المنافقين بنزول هذه الآية على النبي ﷺ، وأنّ الله قد غفر له ذنبه، وأنّه يفتح له على عدّوه، ويهديه صراطًا مستقيمًا، وينصره نصرًا عزيزًا، قال لأصحابه: يزعم محمدٌ أنّ الله غفر له ذنبه، وينصره على عدّوه! هيهات هيهات، لقد بقي له من العدّو أكثر وأكثر، فأين فارس والروم وهم أكثر عدوًّا وأشدّ بأسًا وأعزّ عزيزًا؟! ولن يظهر عليهم محمد، أيظنّ محمد أنهم مِثل هذه العصابة التي قد نزل بين أظهرهم وقد غلبهم بكذبه وأباطيله، وقد جعل لنفسه مخرجًا، ولا علم له بما يُفعل به ولا بمن اتّبعه، إنّ هذا لهو الخلاف المبين. فخرج النبي ﷺ على أصحابه، فقال: «لقد نزلت عليّ آية لَهِي أحبُّ إلَيَّ مِمّا بين السماء والأرض». فقرأ عليهم: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ إلى آخر الآية، فقال أصحابه: هنيئًا مريئًا، يا رسول الله، قد علمنا الآن مالك عند الله، وما يفعل بك، فما لنا عند الله وما يفعل بنا؟ فنزلت سورة الأحزاب [٤٧]: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ يعني: عظيمًا، وهي الجنة. وأنزل: ﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأَنْهارُ﴾ [الفتح:٥][[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٦٥-٦٦، وفي تفسير الثعلبي ٩/٤٢ نحوه مختصرًا.]]. (ز)
٧١٠٩١- عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة - قال: إنّ الله فضّل محمدًا ﷺ على الأنبياء ﵈، وعلى أهل السماء. فقالوا: يا عبد الله بن عباس، بِمَ فضّله على أهل السماء؟ قال: إنّ الله قال لأهل السماء: ﴿ومَن يَقُلْ مِنهُمْ إنِّي إلَهٌ مِن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٢٩]، وقال الله تعالى لمحمد ﷺ: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ﴾. قالوا: فما فضله على الأنبياء ﵈؟ قال: قال الله ﷿: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم:٤]، وقال الله ﷿ لمحمد ﷺ: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا كافَّةً لِلنّاسِ﴾ [سبأ:٢٨]، فأرسله إلى الجنّ والإنس[[أخرجه الدارمي في سننه ١/١٩٣-١٩٤ (٤٧).]]. (ز)
٧١٠٩٢- عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة-: ما أمَّن اللهُ مِن خلقه أحدًا إلا محمدًا ﷺ، قال: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ﴾، وقال للملائكة: ﴿ومَن يَقُلْ مِنهُمْ إنِّي إلَهٌ مِن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء:٢٩][[أخرجه أبو يعلى في مسنده (ط: دار الثقافة العربية) ٥/٩٦ (٢٧٠٥).]]. (ز)
٧١٠٩٣- عن عامر [الشعبي]= (ز)
٧١٠٩٤- وأبي جعفر [الباقر]، في قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ﴾ قال: في الجاهلية، ﴿وما تَأَخَّرَ﴾ قال: في الإسلام[[عزاه السيوطي إلى ابن المنذر.]]. (١٣/٤٦٥)
٧١٠٩٥- قال عطاء الخُراسانيّ: ﴿ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ﴾ يعني: ذنب أبويك آدم وحواء ببركتك، ﴿وما تَأَخَّرَ﴾ ذنوب أمتك بدعوتك[[تفسير الثعلبي ٩/٤٢، وتفسير البغوي ٧/٢٩٨.]]٦٠٤٩. (ز)
٧١٠٩٦- قال مقاتل بن سليمان: ﴿لِيَغْفِرَ﴾ يعني: لكي يغفر ﴿لَكَ اللَّهُ﴾ بالإسلام ﴿ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ﴾ يعني: ما كان في الجاهلية، ﴿وما تَأَخَّرَ﴾ يعني: وبعد النبوة[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٦٦.]]. (ز)
٧١٠٩٧- عن سفيان، قال: بلغنا في قول الله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ﴾ قال: ﴿ما تَقَدَّمَ﴾ ما كان في الجاهلية، ﴿وما تَأَخَّرَ﴾ ما كان في الإسلام؛ ما لم يفعله بعد[[عزاه السيوط إلى عَبد بن حُمَيد.]]٦٠٥٠. (١٣/٤٦٦)
وذكر ابنُ عطية (٧/٦٦٦) أن «المراد هنا: أنّ الله تعالى فتح لك لكي يجعل لك ذلك أمارة وعلامة لغفرانه لك. فكأنها لام صيرورة، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «لقد أُنزلت عليّ الليلة سورة هي أحبُّ إليَّ من الدنيا»».
ثم انتقد قول ابن جرير -مستندًا إلى أحوال النزول، والدلالة العقلية- قائلًا: «وهذا ضعيفٌ من وجهين: أحدهما: أنّ السورة ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ إنما نزلت في آخر مدة النبيِّ ﷺ ناعيةً له نفسه حسب ما قال ابن عباس ﵄، عندما سأل عمرُ ﵄ عن ذلك. والآخر: أنّ تخصيص النبي ﷺ بالتشريف كان يذهب، لأنّ كلّ واحد من المؤمنين مخاطبٌ بهذا الذي قال الطبري، أي: سبِّح واستغفر لكي يغفر الله لك، ولا يقتضي هذا أنّ الغفران قد وقع، وما قدَّمناه أولًا يقتضي وقوع الغفران للنبي ﷺ، ويدل على ذلك قول الصحابة ﵃ له ﷺ حين قام حتى تورَّمت قدماه: أتفعل هذا -يا رسول الله- وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخَّر؟ فقال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا؟!». فهذا نصٌّ في أن الغفران حكمٌ قد وقع».
وانتقد ابنُ عطية (٧/٦٦٧) قول سفيان قائلًا: «وهذا ضعيف، وإنما المعنى: التشريف بهذا الحكم، ولو لم تكن له ذنوب البتَّة».
ثم ذكر قول عطاء، ونقل عن بعضهم أن المعنى: «﴿ما تَقَدَّمَ﴾ هو قوله عليه الصلاة والسلام يوم بدر: «اللهم، إن تهلِك هذه العصابة لم تُعبَد». ﴿وما تَأَخَّرَ﴾ هو قوله عليه الصلاة والسلام يوم حنين: «لن نُغلَبَ اليوم من قِلَّة»». ثم انتقد ذلك قائلًا: «وهذا كلُّه مُعتَرَض».
٧١٠٩٨- عن عائشة، قالت: لَمّا نزل على رسول الله ﷺ: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ الآية؛ اجتهد في العبادة، فقيل: يا رسول الله، ما هذا الاجتهادُ وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟! قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا؟!»[[أخرجه الخرائطي في فضيلة الشكر لله ص٤٩ (٥٢)، وابن عساكر في تاريخه ٤/١٤٣ (٩٧٥). وأصله عند البخاري ٦/١٣٥ (٤٨٣٧)، ومسلم ٤/٢١٧٢ (٢٨٢٠) دون ذكر الآية.
قال ابن رجب: «إسناده ضعيف». ينظر: الجامع لتفسير الإمام ابن رجب الحنبلي ٢/٦٤٧.]]. (١٣/٤٦٦)
٧١٠٩٩- عن أبي هريرة: أنّ النبيّ ﷺ لَمّا نزلت: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ﴾ صام وصلّى حتى انتفخت قدماه، وتعبّد حتى صار كالشَّنِّ[[الشَنّ: مفرد شنان، وهي الأسْقِيَة الخَلِقَة. النهاية (شنن).]] البالي، فقيل له: أتفعل هذا بنفسك وقد غفر الله لك ما تقدّم مِن ذنبك وما تأخّر؟! قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا؟!»[[أخرجه البيهقي في الشعب ٣/٨٣ (١٤١٥)، وابن عساكر في تاريخه ٤/١٤١.
وأعلّ الدارقطني في علله ٨/٢٣ (١٣٨٦) وصله مِن حديث أبي هريرة أو عائشة، وصحّح إرساله من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن النبي ﷺ.]]. (١٣/٤٦٦)
٧١١٠٠- عن المغيرة بن شعبة، قال: كان النبي ﷺ يصلّي حتى تَرِم قدماه، فقيل له: أليس قد غفر الله لك ما تقدّم مِن ذنبك وما تأخّر؟! قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا؟!»[[أخرجه البخاري ٢/٥٠ (١١٣٠)، ٦/١٣٥ (٤٨٣٦)، ٨/٩٩ (٦٤٧١)، ومسلم ٤/٢١٧١ (٢٨١٩)، والثعلبي ٦/٢٣٧.
وقد أورد السيوطي ١٣/٤٦٧-٤٦٩ أحاديث أخرى كثيرة في معنى هذه الأحاديث.]]. (١٣/٤٦٧)
٧١١٠١- قال مقاتل بن سليمان: ﴿ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ويَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ يعني: دينًا مستقيمًا[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٦٦.]]. (ز)