Mawsoo'at Al-Tafsir Al-Ma'thoor

Multiple Ayahs

Tags

Download Links

Mawsoo'at Al-Tafsir Al-Ma'thoor tafsir for Surah Al-Hadid — Ayah 27

ثُمَّ قَفَّيۡنَا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيۡنَا بِعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡإِنجِيلَۖ وَجَعَلۡنَا فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأۡفَةٗ وَرَحۡمَةٗۚ وَرَهۡبَانِيَّةً ٱبۡتَدَعُوهَا مَا كَتَبۡنَٰهَا عَلَيۡهِمۡ إِلَّا ٱبۡتِغَآءَ رِضۡوَٰنِ ٱللَّهِ فَمَا رَعَوۡهَا حَقَّ رِعَايَتِهَاۖ فَـَٔاتَيۡنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنۡهُمۡ أَجۡرَهُمۡۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ ٢٧

﴿ثُمَّ قَفَّیۡنَا عَلَىٰۤ ءَاثَـٰرِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّیۡنَا بِعِیسَى ٱبۡنِ مَرۡیَمَ وَءَاتَیۡنَـٰهُ ٱلۡإِنجِیلَۖ﴾ - تفسير

٧٥٧٦٠- قال مقاتل بن سليمان: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنا﴾ يعني: أتْبعنا ﴿عَلى آثارِهِمْ﴾ من بعدهم، يعني: من بعد نوح وإبراهيم وذريتهما ﴿بِرُسُلِنا﴾ في الأمم، ﴿وقَفَّيْنا بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ يقول: وأتْبعنا بعيسى ابن مريم، ﴿وآتَيْناهُ﴾ يعني: وأعطيناه ﴿الإنْجِيلَ﴾ في بطن أُمِّه[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٢٤٦-٢٤٧.]]. (ز)

﴿وَجَعَلۡنَا فِی قُلُوبِ ٱلَّذِینَ ٱتَّبَعُوهُ رَأۡفَةࣰ وَرَحۡمَةࣰۚ وَرَهۡبَانِیَّةً ٱبۡتَدَعُوهَا مَا كَتَبۡنَـٰهَا عَلَیۡهِمۡ إِلَّا ٱبۡتِغَاۤءَ رِضۡوَ ٰ⁠نِ ٱللَّهِ فَمَا رَعَوۡهَا حَقَّ رِعَایَتِهَاۖ﴾ - تفسير

٧٥٧٦١- عن عبد الله بن مسعود، قال: قال لي رسول الله ﷺ: «يا عبد الله». قلتُ: لبّيك، يا رسول الله. ثلاث مرات، قال: «هل تدري أيَّ عُرى الإيمان أوثق؟». قلتُ: الله ورسوله أعلم. قال: «أوثق عرى الإيمان: الولاية في الله؛ بالحُبّ فيه، والبُغض فيه». قال: «هل تدري أيّ الناس أفضل؟». قلتُ: الله ورسوله أعلم؟ قال: «أفضل الناس أفضلهم عملًا إذا فَقُهوا في دينهم. يا عبد الله، هل تدري أيّ الناس أعلم؟». قلتُ: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنّ أعلم الناس أبصرهم بالحقّ إذا اختلف الناس، وإن كان مُقصِّرًا بالعمل، وإن كان يزحف على اسْتِه، واختلف مَن كان قبلنا على ثنتين وسبعين فرقة، نجا منها ثلاث، وهلك سائرها؛ فرقةٌ وازتِ الملوك، وقاتلَتْهم على دين الله وعيسى ابن مريم حتى قُتلوا، وفرقةٌ لم يكن لهم طاقة بموازاة الملوك، ولا بالمقام معهم، فساحوا في الجبال، وترهّبوا فيها، وهم الذين قال الله: ﴿ورَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إلّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا مِنهُمْ أجْرَهُمْ﴾ هم الذين آمنوا بي وصدّقوني، ﴿وكَثِيرٌ مِنهُمْ فاسِقُونَ﴾ الذين جحدوني وكفروا بي»[[أخرجه الحاكم ٢/٥٢٢ (٣٧٩٠) واللفظ له، وابن جرير ٢٢/٤٣٠- ٤٣١، وابن أبي حاتم -كما في تفسير ابن كثير ٨/٢٩-، والثعلبي ٩/٢٤٨.]]. (١٤/٢٨٨)

٧٥٧٦٢- عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ قال: «لا تُشدِّدوا على أنفسكم فيُشدَّد عليكم؛ فإنّ قومًا شدّدوا على أنفسهم فشُدِّد عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والدِّيارات: ﴿رَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ﴾»[[أخرجه أبو داود ٧/٢٦٤- ٢٦٥ (٤٩٠٤) مطولًا.

قال ابن مفلح في الآداب الشرعية ٢/٩٥: «إسناد جيد». وقال الهيثمي في المجمع ٦/٢٥٦ (١٠٥٤٦): «رواه أبو يعلى، ورجاله رجال الصحيح، غير سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء، وهو ثقة». وقال البوصيري في إتحاف الخيرة ٤/٢٥٩ (٣٥٢٠): «هذا إسناد صحيح». وقال الألباني في الضعيفة ٧/٤٦٧ (٣٤٦٨): «ضعيف».]]. (١٤/٢٩١)

٧٥٧٦٣- عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جُبَير- قال: كانت ملوكٌ بعد عيسى بدّلت التوراة والإنجيل، فكان منهم مؤمنون يقرؤون التوراة والإنجيل، فقيل لملوكهم: ما نجدُ شيئًا أشدّ مِن شتْمٍ يشتمنا هؤلاء، أنهم يقرؤون: ﴿ومَن لَمْ يَحْكُمْ بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]، ﴿ومَن لَمْ يَحْكُمْ بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [المائدة:٤٥]، ﴿ومَن لَمْ يَحْكُمْ بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [المائدة:٤٧]، مع ما يعيبوننا به من أعمالنا في قراءتهم، فادعُهم فليقرؤوا كما نقرأ، وليؤمنوا كما آمنّا، فدعاهم فجمعهم، وعرض عليهم القتْل أو يتركوا قراءة التوراة والإنجيل، إلا ما بدّلوا منها، فقالوا: ما تريدون إلى ذلك؟ دعُونا. فقالت طائفة منهم: ابنوا لنا أُسطوانة، ثم ارفعونا إليها، ثم أعطُونا شيئًا نرفع به طعامنا وشرابنا، ولا نَرِد عليكم. وقالت طائفة: دعُونا نسيح في الأرض ونهِيم، ونأكل مما تأكل منه الوحوش، ونشرب كما تشرب، فإن قدرتم علينا في أرضكم فاقتلونا. وقالت طائفة: ابنوا لنا دُورًا في الفيافي، ونحتَفر الآبار، ونحْرُث البُقول، فلا نَرِد عليكم، ولا نمرُّ بكم. وليس أحد من القبائل إلا له حميم فيهم، ففعلوا ذلك؛ فأنزل الله: ﴿ورَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إلّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها﴾، قال: والآخرون ممن تعبَّد مِن أهل الشرك، وفني مَن قد فني منهم، قالوا: نتعبّد كما تعبّد فلان، ونسيح كما ساح فلان، ونتخذ دُورًا كما اتخذ فلان. وهم على شِركهم لا عِلْم لهم بإيمان الذين اقتدوا بهم، فلما بُعث النبي ﷺ ولم يبق منهم إلا القليل؛ انحطّ صاحبُ الصَّومعة من صومعته، وجاء السائح من سياحته، وصاحب الدَّير مِن دَيره، فآمنوا به وصدّقوه، فقال الله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ﴾ قال: أجرين؛ بإيمانهم بعيسى، ونَصَب أنفسهم، والتوراة والإنجيل، وبإيمانهم بمحمد وتصديقهم، ﴿ويَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ قال: القرآن، واتّباعهم النَّبيَّ ﷺ[[أخرجه النسائي (٥٤١٥)، وابن جرير ٢٢/٤٢٩، ٤٣٠، ٤٣٢، كما أخرجه من طريق عطية بنحوه، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول ١/٨٤-٨٥. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وابن مردويه.]]٦٥٠٩. (١٤/٢٩٠)

٦٥٠٩ علَّق ابنُ كثير (١٣/٤٣٦) على هذا الأثر بقوله: «هذا السياق فيه غرابة». وسيأتي تفسيره لهاتين الآيتين على العموم خلافًا لهذا الأثر.

٧٥٧٦٤- عن أبي أُمامة الباهلي -من طريق زكريا بن أبي مريم- قال: إنّ الله كتب عليكم صيامَ شهر رمضان، ولم يكتب عليكم قيامه، وإنما القيام شيءٌ ابتدعتموه، فدُوموا عليه، ولا تتركوه؛ فإنّ ناسًا من بني إسرائيل ابتدعوا بدعة، فعابهم الله بترْكها. وتلا هذه الآية: ﴿ورَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها﴾ الآية[[أخرجه ابن أبي الدنيا في فضائل شهر رمضان -موسوعة ابن أبي الدنيا ١/٣٧٤ (٥٥)-، وابن جرير ٢٢/٤٣٣ بنحوه، ومحمد بن نصر في مختصر قيام الليل (٩٠). وعزاه السيوطي إلى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن مردويه.]]. (١٤/٢٩٢)

٧٥٧٦٥- عن الضَّحّاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد- في قوله: ﴿ورَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ﴾، قال: كان الله ﷿ كتب عليهم القتال قبل أن يبعَث محمدًا ﷺ، فلما استخرج أهل الإيمان، ولم يبقَ منهم إلا القليل، وكثر أهل الشّرك، وانقطعت الرسل؛ اعتزلوا الناس، فصاروا في الغِيران، فلم يزالوا كذلك حتى غيّرت طائفةٌ منهم، فتركوا دين الله وأمره وعهْده الذي عَهده إليهم، وأخذوا بالبدع، فابتدعوا النصرانية واليهودية، فقال الله ﷿: ﴿فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها﴾، وثبتت طائفةٌ منهم على دين عيسى، حتى بعَث الله محمدًا ﷺ، فآمنوا به[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٤٣٢-٤٣٣.]]. (ز)

٧٥٧٦٦- قال الحسن البصري: ﴿ورَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها﴾ ففرضها الله عليهم حين ابتدعوها[[ذكره يحيى بن سلام -تفسير ابن أبي زمنين ٤/٣٥٦-.]]. (ز)

٧٥٧٦٧- عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة﴾ فهاتان من الله، والرّهبانيّة ابتدعها قومٌ مِن أنفسهم، ولم تُكتب عليهم، ولكن ابتغَوا بذلك، وأرادوا رضوان الله، ﴿ورَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها﴾ قال: ذُكِرَ لنا: أنهم رفضوا النساء، واتخذوا الصّوامع[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٤٢٨. وعزاه السيوطي آخره إلى عبد بن حميد، وابن المنذر. وأخرجه عبد الرزاق مختصرًا من طريق معمر ٢/٢٧٦، وكذلك ابن جرير ٢٢/٤٢٨.]]٦٥١٠. (١٤/٢٩٣)

٦٥١٠ اختُلف في قوله تعالى: ﴿ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله﴾ على قولين: الأول: أنّ المعنى: أنّ الله كتبها عليهم ابتغاء رضوان الله. الثاني: أنّ المعنى: أنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله.

وذكر ابنُ عطية (٨/٢٤٠) أن مجاهدًا قال: المعنى: كتبناها عليهم ابتغاء رضوان الله. وعلَّق عليه بقوله: «فـ»كتب«-على هذا- بمعنى: قضى».

وانتقد ابنُ القيم القول الأول مستندًا للغة، وظاهر لفظ الآية، فقال: «وهذا فاسد، فإنه لم يكتبها عليهم سبحانه، كيف وقد أخبر: أنهم هم ابتدعوها؟ فهي مبتدعة غير مكتوبة». وبيّن أنّ قوله تعالى: ﴿إلا ابتغاء ...﴾ على هذا يكون مفعولًا لأجله. وعلَّق عليه بقوله: «المفعول لأجله يجب أن يكون علة لفعل الفاعل المذكور معه. فيتّحد السبب والغاية، نحو: قمت إكرامًا. فالقائم هو المكرم. وفعل الفاعل هاهنا هو»الكتابة«، و﴿ابتغاء رضوان الله﴾ فِعْلهم لا فعل الله؛ فلا يصلح أن يكون عِلّة لفعل الله، لاختلاف الفاعل».

وبنحوه ابنُ تيمية (٦/٢٣٤-٢٣٥)، وزاد فقال: «تخصيص الرّهبانيّة بأنه كتبها ابتغاء رضوان الله دون غيرها تخصيص بغير موجب، فإنّ ما كتبه ابتداء لم يذكر أنه كتبه ابتغاء رضوانه؛ فكيف بالرّهبانيّة؟!».

و انتقد ابنُ تيمية (٦/٢٣٥) القول الثاني مستندًا لظاهر الآية، واللغة، فقال: «وأما قول مَن قال: ما فعلوها إلا ابتغاء رضوان الله. فهذا المعنى لو دل عليه الكلام لم يكن في ذلك مدحٌ للرّهبانيّة، فإنّ مَن فعل ما لم يأمر الله به بل نهاه عنه مع حُسن مقصده غايته أن يُثاب على قصده، لا يثاب على ما نُهي عنه، ولا على ما ليس بواجب ولا مستحبّ، فكيف والكلام لا يدل عليه، فإنّ الله قال: ﴿ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله﴾ ولم يقل: ما فعلوها إلا ابتغاء رضوان الله، ولا قال: ما ابتدعوها إلا ابتغاء رضوان الله. ولو كان المراد: ما فعلوها أو ما ابتدعوها إلا ابتغاء رضوان الله؛ لكان منصوبًا على المفعولية، ولم يتقدم لفظ الفعل ليعمل فيه، ولا نفى الابتداع، بل أثبته لهم، وإنما تقدم لفظ الكتابة».

وذكر ابنُ القيم (٣/١٣٣) أنه على هذا القول فقوله: ﴿إلا ابتغاء رضوان الله﴾ منصوب على أنه بدل من مفعول ﴿ما كتبناها﴾، وانتقده مستندًا إلى اللغة، فقال: «وهو فاسد؛ إذ ليس ابتغاء رضوان الله عين الرّهبانيّة، فتكون بدل الشيء من الشيء. ولا بعضها، فتكون بدل بعض من كلّ، ولا أحدهما مشتمل على الآخر؛ فتكون بدل اشتمال، وليس بدل غلط».

وذكر ابنُ تيمية (٦/٢٣٣) أن البعض قال: قوله تعالى: ﴿ورهبانية ابتدعوها﴾ عطف على ﴿رأفة﴾، ﴿ورحمة﴾، وأنّ المعنى: أنّ الله جعل في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية أيضًا ابتدعوها، وجعلوا الجعْل شرعيًا ممدوحًا«. وانتقده مستندًا للدلالة العقلية، والواقع، فقال:»هذا غلط لوجوه. منها: أنّ الرّهبانيّة لم تكن في كلّ مَن اتبعه، بل الذين صحبوه كالحواريين لم يكن فيهم راهب وإنما ابتُدعت الرّهبانيّة بعد ذلك بخلاف الرأفة والرحمة، فإنها جُعلت في قلب كلّ مَن اتبعه. ومنها: أنه أخبر أنهم ابتدعوا الرّهبانيّة بخلاف الرأفة والرحمة، فإنهم لم يبتدعوها وإذا كانوا ابتدعوها لم يكن قد شرعها لهم، فإن كان المراد هو الجعل الشرعي الديني لا الجعل الكوني القدري فلم تدخل الرّهبانيّة في ذلك، وإن كان المراد الجعل الخلقي الكوني فلا مدح للرّهبانيّة في ذلك. ومنها: أنّ الرأفة والرحمة جعلها في القلوب والرّهبانيّة لا تختص بالقلوب، بل الرّهبانيّة ترك المباحات من النكاح واللحم وغير ذلك«. وساق ابنُ عطية احتمالًا آخر، فقال:»ويحتمل اللفظ أن يكون المعنى: ما كتبناها عليهم إلا في عموم المندوبات؛ لأن ابتغاء مرضاة الله بالقُرَب والنوافل مكتوب على كلّ أُمّة«. وعلَّق عليه بقوله:»فالاستثناء -على هذا الاحتمال- متصل".

ورجَّح ابنُ تيمية (٦/٢٣٥) -مستندًا إلى الدلالة العقلية- أنّ قوله تعالى: ﴿ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا رضوان الله﴾ منصوب نصب الاستثناء المنقطع، أي: وابتدعوا رهبانيةً ما كتبناها عليهم، لكن كتبنا عليهم ابتغاء رضوان الله. فقال: «فإنّ إرضاء الله واجب مكتوب على الخلْق، وذلك يكون بفعل المأمور وبترك المحظور، لا بفعل ما لم يأمر بفعله وبترك ما لم ينه عن تركه، والرّهبانيّة فيها فعل ما لم يؤمر به وترك ما لم ينه عنه».

ورجَّحه ابنُ القيم (٣/١٣٣-١٣٤) مستندًا إلى السياق، فقال: «فالصواب: أنه منصوب نصب الاستثناء المنقطع ... ودلّ على هذا قول: ﴿ابتدعوها﴾».

٧٥٧٦٨- قال مقاتل بن سليمان: ﴿وجَعَلْنا في قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ يعني: اتبعوا عيسى ﴿رَأْفَةً ورَحْمَةً﴾ يعني: المودّة، كقوله: ﴿رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩] يقول: مُتَوادّين بعضهم لبعض، جعل اللهُ ذلك في قلوب المؤمنين بعضهم لبعض، ثم استأنف الكلام، فقال: ﴿ورَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها﴾ وذلك أنه لَمّا كثر المشركون وهزموا المؤمنين وأذلّوهم بعد عيسى ابن مريم، واعتزلوا واتخذوا الصّوامع، فطال عليهم ذلك، فرجع بعضهم عن دين عيسى ﵇، وابتدعوا النصرانية، فقال الله ﷿: ﴿ورَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها﴾ تبتّلوا فيها للعبادة في التقديم، ﴿ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ﴾ ولم نأمرهم بها ﴿إلّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها﴾ يقول: لم يرعوا ما أُمروا به. يقول: فما أطاعوني فيها، ولا أحسنوا حين تهوّدوا وتنصّروا. وأقام أناس منهم على دين عيسى ﵇ حتى أدركوا محمدًا ﷺ، فآمنوا به، وهم أربعون رجلًا؛ اثنان وثلاثون رجلًا من أرض الحبشة، وثمانية من أرض الشام، فهم الذين كنى الله عنهم، فقال: ﴿فَآتَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا مِنهُمْ﴾[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٢٤٦-٢٤٧.]]. (ز)

٧٥٧٦٩- عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- ﴿ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ﴾، قال: فلِم؟ قال: ابتدعوها ابتغاء رضوان الله تطوّعًا، فما رعَوها حقّ رعايتها[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٤٢٨.]]٦٥١١. (ز)

٦٥١١ انتقد ابن تيمية (٦/٢٣٤) ما أفاده هذا القول من أنهم لما ابتدعوها كتب عليهم إتمامها مستندًا لظاهر الآية، والدلالة العقلية، فقال: «وليس في الآية ما يدلُّ على ذلك، فإنه قال: ﴿ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها﴾، فلم يذكر أنه كتب عليهم نفس الرّهبانيّة ولا إتمامها ولا رعايتها، بل أخبر أنهم ابتدعوا بدعة، وأنّ تلك البدعة لم يَرْعَوها حقّ رعايتها. فإن قيل: قوله تعالى: ﴿فما رعوها حق رعايتها﴾ يدلّ على أنهم لو رَعَوها حقّ رعايتها لكانوا ممدوحين. قيل: ليس في الكلام ما يدلّ على ذلك، بل يدلّ على أنهم -مع عدم الرعاية- يستحقّون من الذّم ما لا يستحقّونه بدون ذلك، فيكون ذمّ من ابتدع البدعة ولم يَرعَها حقّ رعايتها أعظم من ذمّ مَن رعاها، وإن لم يكن واحد منهما محمودًا، بل مذمومًا، مثل: نصارى بني تغلب ونحوهم ممن دخل في النصرانية ولم يقوموا بواجباتها، بل أخذوا منها ما وافق أهواءهم، فكان كفرهم وذمّهم أغلظ مِمّن هو أقلُّ شرًّا منهم، والنار دركات، كما أنّ الجنة درجات».

٧٥٧٧٠- عن يحيى بن سلّام -من طريق أحمد- في قوله: ﴿رأفةً ورحمةً﴾ قال: ثم استأنف الكلام، فقال: ﴿ورهبانية ابتدعوها﴾ لم يكتبها اللهُ عليهم، ولكن ابتدعوها ليتقرّبوا بها إلى الله ﷿. قال يحيى: ففرضها اللهُ عليهم[[أخرجه أبو عمرو الداني في المكتفى ص٢١٣ رقم (٣٧).]]٦٥١٢. (ز)

٦٥١٢ اختُلف في الذين لم يرعَوا الرّهبانيّة حقّ رعايتها على قولين: الأول: أنهم هم الذين ابتدعوها. الثاني: أنهم الذين اتّبعوا مبتدعي الرّهبانيّة في رهبانيتهم.

وعلَّق ابنُ عطية (٨/٢٤٠) على القول الأول الذي قاله ابن عباس، من طريق العَوفيّ، والضَّحّاك، وأبو أمامة الباهلي، وابن زيد، بقوله: «والكلام سائغ، وإن كان فيهم من رعى، أي: لم يرعوها بأجمعهم، وفي هذا التأويل لزوم الإتمام لكل من بدأ بتنفل وتطوع، وأنه يلزمه أن يرعاه حقّ رعايته».

ورجَّح ابنُ جرير (٢٢/٤٣٣) -مستندًا إلى السياق- القول الأول، فقال: «وذلك أنّ الله -جلّ ثناؤه- أخبر أنه آتى الذين آمنوا منهم أجرهم؛ قال: فدلّ بذلك على أنّ منهم مَن قد رعاها حقّ رعايتها، فلو لم يكن منهم مَن كان كذلك لم يكن مستحقّ الأجر الذي قال -جل ثناؤه-: ﴿فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم﴾». ثم قال بجواز دخول القولين تحت عموم الآية، فقال: «إلا أنّ الذين لم يرعَوها حقّ رعايتها ممكن أن يكون كانوا على عهد الذين ابتدعوها، وممكن أن يكونوا كانوا بعدهم؛ لأنّ الذين هم من أبنائهم إذا لم يكونوا رعَوها، فجائز في كلام العرب أن يقال: لم يَرْعها القوم على العموم، والمراد منهم البعض الحاضر».

﴿وَجَعَلۡنَا فِی قُلُوبِ ٱلَّذِینَ ٱتَّبَعُوهُ رَأۡفَةࣰ وَرَحۡمَةࣰۚ وَرَهۡبَانِیَّةً ٱبۡتَدَعُوهَا مَا كَتَبۡنَـٰهَا عَلَیۡهِمۡ إِلَّا ٱبۡتِغَاۤءَ رِضۡوَ ٰ⁠نِ ٱللَّهِ فَمَا رَعَوۡهَا حَقَّ رِعَایَتِهَاۖ﴾ - آثار متعلقة بالآية

٧٥٧٧١- عن أنس بن مالك، أنّ النبيَّ ﷺ قال: «إنّ لكلّ أُمّة رهبانيّة، ورهبانيّة هذه الأُمّة الجهاد في سبيل الله»[[أخرجه أحمد ٢١/٣١٧ (١٣٨٠٧)، والبيهقي في شعب الإيمان ٦/٩٥ (٣٩٢٣) واللفظ له.

قال البزار في مسنده ١٣/٥١٠ (٧٣٤٩): «وهذا الحديث لا نعلم أحدًا أسنده إلا معاوية بن هشام، عن سفيان، وغير معاوية يرويه مرسلًا». وأورده ابن أبي حاتم في علل الحديث ٣/٣٨٣-٣٨٤ (٩٥٢)، وابن عدي في الكامل في الضعفاء ٤/١٤٩ (٦٩٩) في ترجمة زيد بن الحواري العمي. وقال ابن القيسراني في ذخيرة الحفاظ ٤/١٩٥٠ (٤٤٨١): «لم يروه عن معاوية غير زيد، وزيد ضعيف». وقال العراقي في تخريج الإحياء ص٩٢١: «فيه زيد العمي، وهو ضعيف». وقال الهيثمي في المجمع ٥/٢٧٨ (٩٤٣١): «فيه زيد العمي، وثّقه أحمد وغيره، وضعفه أبو زرعة وغيره، وبقية رجاله رجال الصحيح». وقال البوصيري في إتحاف الخيرة ٥/٩٢ (٤٢٨٦): «مدار إسناد حديث أنس هذا على زيد العمي، وهو ضعيف». وقال المناوي في التيسير ٢/٢٩٨: «إسناده حسن». وقال الألباني في الصحيحة ٢/٩٥: «سند ضعيف».]]. (١٤/٢٩٢)

﴿فَـَٔاتَیۡنَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ مِنۡهُمۡ أَجۡرَهُمۡۖ﴾ - تفسير

٧٥٧٧٢- قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَآتَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا مِنهُمْ﴾ يقول: أعطينا الذين صدقوا ﴿أجْرَهُمْ﴾ يعني: جزاءهم، وهو الجنة[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٢٤٧.]]. (ز)

٧٥٧٧٣- عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- ﴿فَآتَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا مِنهُمْ أجْرَهُمْ﴾، قال: الذين رَعَوْا ذلك الحقَّ[[أخرجه ابن جرير ٢٢/٤٣٤.]]. (ز)

﴿وَكَثِیرࣱ مِّنۡهُمۡ فَـٰسِقُونَ ۝٢٦﴾ - تفسير

٧٥٧٧٤- قال مجاهد بن جبر: ﴿وكَثِيرٌ مِنهُمْ فاسِقُونَ﴾ وهم الذين ابتدعوا الرّهبانيّة[[تفسير البغوي ٨/٤٤.]]. (ز)

٧٥٧٧٥- قال مقاتل بن سليمان: ﴿وكَثِيرٌ مِنهُمْ فاسِقُونَ﴾ يعني: الذين تهوّدوا، وتنصّروا[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٢٤٧.]]. (ز)

﴿وَكَثِیرࣱ مِّنۡهُمۡ فَـٰسِقُونَ ۝٢٦﴾ - آثار متعلقة بالآية

٧٥٧٧٦- عن سهل بن حُنَيف، أنّ رسول الله ﷺ قال: «لا تُشدِّدوا على أنفسكم؛ فإنما هلك مَن كان قبلكم بتشديدهم على أنفسهم، وستجدون بقاياهم في الصّوامع والدّيارات»[[أخرجه الطبراني في الكبير ٦/٧٣ (٥٥٥١)، والبيهقي في شعب الإيمان ٥/٣٩٤ (٣٦٠١).

قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/٦٢ (٢٢٠): «رواه الطبراني في الأوسط، والكبير، وفيه عبد الله بن صالح كاتب الليث، وثّقه جماعة، وضعفه آخرون». وأورده الألباني في الصحيحة ٧/٣٣٢ (٣١٢٤).]]. (١٤/٢٩٢)

Tafsir Resource

QUL supports exporting tafsir content in both JSON and SQLite formats. Tafsir text may include <html> tags for formatting such as <b>, <i>, etc.

Example JSON Format:

{
  "2:3": {
    "text": "tafisr text.",
    "ayah_keys": ["2:3", "2:4"]
  },
  "2:4": "2:3"
}
  • Keys in the JSON are "ayah_key" in "surah:ayah", e.g. "2:3" means 3rd ayah of Surah Al-Baqarah.
  • The value of ayah key can either be:
    • an object — this is the main tafsir group. It includes:
      • text: the tafsir content (can include HTML)
      • ayah_keys: an array of ayah keys this tafsir applies to
    • a string — this indicates the tafsir is part of a group. The string points to the ayah_key where the tafsir text can be found.

SQLite exports includes the following columns

  • ayah_key: the ayah for which this record applies.
  • group_ayah_key: the ayah key that contains the main tafsir text (used for shared tafsir).
  • from_ayah / to_ayah: start and end ayah keys for convenience (optional).
  • ayah_keys: comma-separated list of all ayah keys that this tafsir covers.
  • text: tafsir text. If blank, use the text from the group_ayah_key.