You are reading tafsir of 5 ayahs: 113:1 to 113:5.
صفحة ٢٧٠
سُورَةُ الفَلَقِوَفِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: مَدَنِيَّةٌ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ في آخَرِينَ.
والثّانِي: مَكِّيَّةٌ، رَواهُ كُرَيْبٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، وجابِرٌ. والأوَّلُ أصَحُّ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُحِرَ وهو مَعَ عائِشَةَ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ المُعَوِّذَتانِ.»
فَذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ في نُزُولِهِما: «أنَّ غُلامًا مِنَ اليَهُودِ كانَ يَخْدِمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ اليَهُودُ حَتّى أخَذَ مُشاطَةَ رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وعِدَّةَ أسْنانٍ مِن مُشْطِهِ، فَأعْطاها اليَهُودَ فَسَحَرُوهُ فِيها. وكانَ الَّذِي تَوَلّى ذَلِكَلَبِيدُ بْنُ أعْصَمَ اليَهُودِيُّ. ثُمَّ دَسَّها في بِئْرٍ لِبَنِي زُرَيْقٍ، يُقالُ لَها: بِئْرُ ذِرْوانَ. ويُقالُ: ذِي أرْوانَ، صفحة ٢٧١ صفحة ٢٧٢
وَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في " الصَّحِيحَيْنِ " مِن حَدِيثِ عائِشَةَ حَدِيثَ سِحْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى ﴿أعُوذُ﴾ في أوَّلِ كِتابِنا.
وَفِي ﴿الفَلَقِ﴾ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الصُّبْحُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والقُرَظِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ، واللُّغَوِيُّونَ قالُوا: ويُقالُ: هَذا أبْيَنُ مِن فَلَقِ الصُّبْحِ وفَرَقِ الصُّبْحِ.
صفحة ٢٧٣
والثّانِي: أنَّهُ الخَلْقُ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وكَذَلِكَ قالَ الضَّحّاكُ: الفَلَقُ: الخَلْقُ كُلُّهُ.والثّالِثُ: سِجْنٌ في جَهَنَّمَ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. وقالَ وهْبٌ والسُّدِّيُّ: جِبٌّ في جَهَنَّمَ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: وادٍ في جَهَنَّمَ.
والرّابِعُ: شَجَرَةٌ في النّارِ، قالَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو.
والخامِسُ: أنَّهُ كُلُّ مَنِ انْفَلَقَ عَنْ شَيْءٍ كالصُّبْحِ، والحَبِّ، والنَّوى، وغَيْرِ ذَلِكَ، قالَهُ الحَسَنُ. قالَ الزَّجّاجُ: وإذا تَأمَّلْتَ الخَلْقَ بانَ لَكَ أنَّ أكْثَرَهُ عَنِ انْفِلاقٍ، كالأرْضِ بِالنَّباتِ، والسَّحابِ بِالمَطَرِ.
والسّادِسُ: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ، قالَهُ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الحَبْلِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن شَرِّ ما خَلَقَ﴾ وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ يَعْمَرَ: " خُلِقَ " بِضَمِّ الخاءِ، وكَسْرِ اللّامِ. وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ عامٌّ، وهو الأظْهَرُ.
والثّانِي: أنَّ شَرَّ ما خُلِقَ: إبْلِيسُ وذُرِّيَّتُهُ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: جَهَنَّمُ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
صفحة ٢٧٤
وَفِي " الغاسِقِ " أرْبَعَةُ أقْوالٍ.أحَدُها: أنَّهُ القَمَرُ، «رَوَتْ عائِشَةُ قالَتْ: نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى القَمَرِ، فَقالَ: اسْتَعِيذِي بِاللَّهِ مِن شَرِّهِ فَإنَّهُ الغاسِقُ إذا وقَبَ،» رَواهُ التِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ في كِتابَيْهِما. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ويُقالُ: الغاسِقُ: القَمَرُ إذا كَسَفَ فاسْوَدَّ. ومَعْنى " وقَبَ " دَخَلَ في الكُسُوفِ.
والثّانِي: أنَّهُ النَّجْمُ، رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
والثّالِثُ: أنَّهُ اللَّيْلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والقُرَظِيُّ، والفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ. قالَ اللُّغَوِيُّونَ: ومَعْنى ﴿وَقَبَ﴾ دَخَلَ في كُلِّ شَيْءٍ فَأظْلَمَ. و " الغَسَقُ " الظُّلْمَةُ. وقالَ الزَّجّاجُ: الغاسِقُ: البارِدُ، فَقِيلَ لِلَّيْلِ: غاسِقٌ، لِأنَّهُ أبْرَدُ مِنَ النَّهارِ.
والرّابِعُ: أنَّهُ الثُّرَيّا إذا سَقَطَتْ، وكانَتِ الأسْقامُ، والطَّواعِينُ تَكْثُرُ عِنْدَ
صفحة ٢٧٥
وُقُوعِها، وتَرْتَفِعُ عِنْدَ طُلُوعِها، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.فَأمّا " النَّفّاثاتُ " فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هُنَّ السَّواحِرُ يَنْفُثْنَ، أيْ: يَتْفُلْنَ إذا سَحَرْنَ، ورَقَيْنَ. قالَ الزَّجّاجُ: يَتْفُلْنَ بِلا رِيقٍ، كَأنَّهُ نَفْحٌ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: قالَ اللُّغَوِيُّونَ: تَفْسِيرُ نَفَثَ: نَفَخَ نَفْخًا لَيْسَ مَعَهُ رِيقٌ، ومَعْنى تَفَلَ: نَفَخَ نَفْخًا مَعَهُ رِيقٌ. قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
ومِن جَوْفِ ماءٍ عَرْمَضُ الحَوْلِ فَوْقَهُ مَتى يَحْسُ مِنهُ مائِحُ القَوْمِ يَتْفُلِ
وَقَدْ رَوى ابْنُ أبِي سُرَيْجٍ " النّافِثاتِ " بِألِفٍ قَبْلَ الفاءِ مَعَ كَسْرِ الفاءِ وتَخْفِيفِها.وَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِالنَّفّاثاتِ هاهُنا: بَناتُ لَبِيدِ بْنِ أعْصَمَ اليَهُودِيِّ سَحَرْنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ .
صفحة ٢٧٦
﴿وَمِن شَرِّ حاسِدٍ﴾ يَعْنِي: اليَهُودَ حَسَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . وقَدْ ذَكَرْنا حَدَّ الحَسَدِ في [البَقَرَةِ: ١٠٩] . والحَسَدُ: أخَسُّ الطَّبائِعِ. وأوَّلُ مَعْصِيَةٍ عُصِيَ اللَّهُ بِها في السَّماءِ حَسَدُ إبْلِيسَ لِآدَمَ، وفي الأرْضِ حَسَدُ قابِيلَ هابِيلَ.