صفحة ٢٦٩
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا رَأوْا تِجارَةً﴾ سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمْعَةِ، إذْ أقْبَلَتْ عِيرٌ قَدْ قَدِمَتْ، فَخَرَجُوا إلَيْها حَتّى لَمْ يَبْقَ مَعَهُ إلّا اثْنا عَشَرَ رَجُلًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» أخْرَجَهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قالَهُ الحَسَنُ: وذَلِكَ «أنَّهم أصابَهم جُوعٌ، وغَلاءُ سِعْرٍ، فَلَمّا سَمِعُوا بِها خَرَجُوا إلَيْها، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: "لَوِ اتَّبَعَ آخِرُهم أوَّلَهُمُ التَهَبَ عَلَيْهِمُ الوادِي نارًا" .» قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ الَّذِي قَدِمَ بِالتِّجارَةِ دِحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ الكَلْبِيُّ، قالَ مُقاتِلٌ: وذَلِكَ قَبْلَ أنْ يُسْلِمَ. قالُوا: قَدِمَ بِها مِنَ الشّامِ، وضُرِبَ لَها طَبْلٌ يُؤْذِنُ النّاسَ بِقُدُومِها. وهَذِهِ كانَتْ عادَتَهم إذا قَدِمَتْ عِيرٌ. قالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: كانَتِ التِّجارَةُ طَعامًا. وقالَ أبُو مالِكٍ: كانَتْ زَيْتًا. والمُرادُ بِاللَّهْوِ: ضَرْبُ الطَّبْلِ. و"انْفَضُّوا" بِمَعْنى: تَفَرَّقُوا عَنْكَ، فَذَهَبُوا إلَيْها. والضَّمِيرُ لِلتِّجارَةِ. وإنَّما خُصَّتْ بِرَدِّ الضَّمِيرِ إلَيْها، لِأنَّها كانَتْ أهَمَّ إلَيْهِمْ، هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ، والمُبَرِّدِ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: وإذا رَأوْاصفحة ٢٧٠
تِجارَةً انْفَضُّوا إلَيْها، أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْهِ، فَحُذِفَ خَبَرُ أحَدِهِما، لِأنَّ الخَبَرَ الثّانِيَ يَدُلُّ عَلى الخَبَرِ المَحْذُوفِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ "انْفَضُّوا إلَيْهِما" عَلى التَّثْنِيَةِ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ أبِي عَبْلَةَ "انْفَضُّوا إلَيْهِ" عَلى ضَمِيرٍ مُذَكَّرٍ ﴿وَتَرَكُوكَ قائِمًا﴾ وهَذا القِيامُ كانَ في الخُطْبَةِ ﴿قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ﴾ مِن ثَوابِ الصَّلاةِ والثَّباتِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ ومِنَ التِّجارَةِ واللَّهُ خَيْرٌ الرّازِقِينَ﴾ لِأنَّهُ يَرْزُقُ مَن يُؤْمِنُ بِهِ ويَعْبُدُهُ، ومَن يَكْفُرُ بِهِ ويَجْحَدُهُ، فَهو يُعْطِي مَن سَألَ، ويَبْتَدِئُ مَن لا يَسْألُ، وغَيْرُهُ إنَّما يَرْزُقُ مَن يَرْجُو مَنفَعَتَهُ، ويُقْبِلُ عَلى خِدْمَتِهِ.