You are reading tafsir of 7 ayahs: 68:1 to 68:7.
صفحة ٣٢٦
سُورَةُ القَلَمِوَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
إلّا ما حُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ أنَّ فِيها مِنَ المَدَنِيِّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنّا بَلَوْناهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: "ن" قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ: "ن والقَلَمِ" النُّونُ في آخِرِ الهِجاءِ مِن نُونٍ ظاهِرَةٍ عِنْدَ الواوِ، وهَذا اخْتِيارُ الفَرّاءُ. ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ كانَ لا يُبِينُ النُّونَ مِن "نُونٍ" . وبِها قَرَأ الكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، ويَعْقُوبُ، وهو اخْتِيارُ الزَّجّاجِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، وقَتادَةُ، والأعْمَشُ: "نُونِ والقَلَمِ" بِكَسْرِ النُّونِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو عِمْرانَ، وأبُو نُهَيْكٍ: "نُ والقَلَمِ" بِرَفْعِ النُّونِ.
وَفِي مَعْنى نُونِ سَبْعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الدَّواةُ. رَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ:
صفحة ٣٢٧
« "أوَّلُ ما خَلَقَ اللَّهُ القَلَمُ، ثُمَّ خَلَقَ النُّونَ، وهي الدَّواةُ"» وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ.والثّانِي: أنَّهُ آخِرُ حُرُوفِ الرَّحْمَنِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ الحُوتُ الَّذِي عَلى ظَهْرِ الأرْضِ، وهَذا المَعْنى في رِوايَةِ أبِي ظَبْيانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو مَذْهَبُ مُجاهِدٍ، والسُّدِّيِّ، وابْنِ السّائِبِ، ومُقاتِلٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ لَوْحٌ مِن نُورٍ، قالَهُ مُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ.
والخامِسُ: أنَّهُ افْتِتاحُ اسْمِهِ "نَصِيرٍ"، و"ناصِرٍ"، قالَهُ عَطاءٌ.
والسّادِسُ: أنَّهُ قَسَمٌ بِنُصْرَةِ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ، قالَهُ القُرَظِيُّ.
والسّابِعُ: أنَّهُ نَهْرٌ في الجَنَّةِ، قالَهُ جَعْفَرٌ الصّادِقُ.
صفحة ٣٢٨
وَفِي "القَلَمِ" قَوْلانِ.أحَدُهُما: أنَّهُ الَّذِي كُتِبَ بِهِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ.
والثّانِي: أنَّهُ الَّذِي يَكْتُبُ بِهِ النّاسُ. وإنَّما أقْسَمَ بِهِ، لِأنَّ كُتُبَهُ إنَّما تُكْتَبُ() و"يَسْطُرُونَ" بِمَعْنى: يَكْتُبُونَ. وفي المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ. وفِيما أرادُوا بِما يَكْتُبُونَهُ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ الذِّكْرُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ. والثّانِي: أعْمالُ بَنِي آدَمَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهم جَمِيعُ الكَتَبَةِ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ أيْ: ما أنْتَ بِإنْعامِ رَبِّكَ عَلَيْكَ بِالإيمانِ والنُّبُوَّةِ بِمَجْنُونٍ. قالَ الزَّجّاجُ: هَذا جَوابُ قَوْلِهِمْ: إنَّكَ لَمَجْنُونٌ. وتَأْوِيلُهُ: فارَقَكَ الجُنُونُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ لَكَ﴾ بِصَبْرِكَ عَلى افْتِرائِهِمْ عَلَيْكَ، ونِسْبَتِهِمْ إيّاكَ إلى الجُنُونِ ﴿لأجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أيْ: غَيْرَ مَقْطُوعٍ ولا مَنقُوصٍ، ﴿وَإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: دِينُ الإسْلامِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أدَبُ القُرْآنِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: الطَّبْعُ الكَرِيمُ. وحَقِيقَةُ "الخُلُقِ" ما يَأْخُذُ بِهِ الإنْسانُ نَفْسَهُ مِنَ الآدابِ، فَسُمِّيَ خُلُقًا، لِأنَّهُ يَصِيرُ كالخِلْقَةِ في صاحِبِهِ. فَأمّا ما طُبِعَ عَلَيْهِ فَيُسَمّى: "الخِيمَ" فَيَكُونُ الخِيمُ: الطَّبْعَ الغَرِيزِيَّ، والخُلُقُ: الطَّبْعُ المُتَكَلَّفُ. هَذا قَوْلُ الماوَرْدِيِّ. وقَدْ «سُئِلَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، صفحة ٣٢٩
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ يَعْنِي: أهْلَ مَكَّةَ. وهَذا وعِيدٌ لَهم بِالعَذابِ. والمَعْنى: سَتَرى ويَرَوْنَ إذا نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ بِبَدْرٍ "بِأيِّكُمُ المَفْتُونُ" وفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: الضّالُّ، قالَهُ الحَسَنُ. والثّانِي: الشَّيْطانُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّالِثُ: المَجْنُونُ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والمَعْنى: الَّذِي قَدْ فُتِنَ بِالجُنُونِ. والرّابِعُ: المُعَذَّبُ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
وَفِي الباءِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها زائِدَةٌ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. وأنْشَدُوا:
نَحْنُ بَنُو جَعْدَةَ أصْحابُ الفَلَجْ نَضْرِبُ بِالسَّيْفِ ونَرْجُو بِالفَرَجِ
صفحة ٣٣٠
والثّانِي: أنَّها أصْلِيَّةٌ، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ، والزَّجّاجِ. قالَ الزَّجّاجُ: لَيْسَ كَوْنُها لَغْوًا بِجائِزٍ في العَرَبِيَّةِ في قَوْلِ أحَدٍ مِن أهْلِها.وَفِي الكَلامِ قَوْلانِ لِلنَّحْوِيِّينَ.
أحَدُهُما: أنَّ المَفْتُون ها هُنا: الفُتُونُ. والمَصادِرُ تَجِيءُ عَلى المَفْعُولِ. تَقُولُ العَرَبُ لَيْسَ: هَذا مَعْقُودَ رَأْيٍ، أيْ: عَقْدَ رَأْيٍ، وتَقُولُ: دَعْهُ إلى مَيْسُورِهِ، أيْ: يُسْرِهِ. والمَعْنى: بِأيِّكُمُ الجُنُونُ.
والثّانِي: بِأيِّكُمُ المَفْتُونُ بِالفِرْقَةِ الَّتِي أنْتَ فِيها، أمْ بِفِرْقَةِ الكُفّارِ؟ فَيَكُونُ المَعْنى: في أيِّ الفِرْقَتَيْنِ المَجْنُونُ. وقَدْ ذَكَرَ الفَرّاءُ نَحْوَ ما شَرَحَهُ الزَّجّاجُ. وقَدْ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو عِمْرانَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "فِي أيٍّ المَفْتُونُ" . ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ عالِمٌ بِالفَرِيقَيْنِ بِما بَعْدَ هَذا.