You are reading tafsir of 12 ayahs: 69:1 to 69:12.
صفحة ٣٤٥
سُورَةُ الحاقَّةِوَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ
﴿الحاقَّةُ﴾: القِيامَةُ. قالَ الفَرّاءُ: إنَّما قِيلَ لَها: حاقَّةٌ، لِأنَّ فِيها حَواقَّ الأُمُورِ. وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّما سُمِّيَتِ الحاقَّةَ، لِأنَّها تَحِقُّ كُلَّ إنْسانٍ بِعَمَلِهِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما الحاقَّةُ﴾ هَذا اسْتِفْهامٌ، مَعْناهُ التَّفْخِيمُ لِشَأْنِها، كَما تَقُولُ: زَيْدٌ، وما زَيْدٌ؟ عَلى التَّعْظِيمِ لِشَأْنِهِ. ثُمَّ زادَ في التَّهْوِيلِ بِأمْرِها، فَقالَ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ أيْ: لِأنَّكَ لَمْ تُعايِنْها، ولَمْ تَدْرِ ما فِيها مِنَ الأهْوالِ.
ثُمَّ أخْبَرَ عَنِ المُكَذِّبِينَ بِها، فَقالَ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وعادٌ بِالقارِعَةِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: القارِعَةُ: اسْمٌ مِن أسْماءِ يَوْمِ القِيامَةِ. قالَ مُقاتِلٌ: وإنَّما سُمِّيَتْ
صفحة ٣٤٦
بِالقارِعَةِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقْرَعُ أعْداءَهُ بِالعَذابِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: القارِعَةُ: القِيامَةُ لِأنَّها تَقْرَعُ، يُقالُ: أصابَتْهم قَوارِعُ الدَّهْرِ. وقالَ الزَّجّاجُ: لِأنَّها تَقْرَعُ بِالأهْوالِ. وقالَ غَيْرُهُمْ: لِأنَّها تَقْرَعُ القُلُوبَ بِالفَزَعِ. فَأمّا "الطّاغِيَةُ" فَفِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.أحَدُها: أنَّها طُغْيانُهم وكُفْرُهُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى الطّاغِيَةِ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ: طُغْيانُهم. و"فاعِلَةٌ" قَدْ يَأْتِي بِمَعْنى المَصادِرِ، نَحْوُ عاقِبَةٍ، وعافِيَةٍ.
والثّانِي: بِالصَّيْحَةِ الطّاغِيَةِ، قالَهُ قَتادَةُ. وذَلِكَ أنَّها جاوَزَتْ مِقْدارَ الصِّياحِ فَأهْلَكَتْهم.
والثّالِثُ: أنَّ الطّاغِيَةَ: عاقِرُ النّاقَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والرِّيحُ الصَّرْصَرُ قَدْ فَسَّرْناها في [حَم السَّجْدَةِ: ١٦] . والعاتِيَةُ: الَّتِي جاوَزَتِ المِقْدارَ. وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّها عَتَتْ عَلى خُزّانِها يَوْمَئِذٍ، فَلَمْ يَكُنْ لَهم عَلَيْها سَبِيلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ﴾ أرْسَلَها وسَلَّطَها. والتَّسْخِيرُ: اسْتِعْمالُ الشَّيْءِ بِالِاقْتِدارِ. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حُسُومًا﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: تِباعًا قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. قالَ الفَرّاءُ: الحُسُومُ: التِّباعُ، يُقالُ في الشَّيْءِ إذا تَتابَعَ، فَلَمْ يَنْقَطِعْ أوَّلُهُ عَنْ آخِرِهِ: حُسُومٌ. وإنَّما أُخِذَ - واللَّهُ أعْلَمُ - مِن حَسْمِ الدّاءِ: إذا كُوِيَ صاحِبُهُ، لِأنَّهُ يُحْمى ثُمَّ يُكْوى، ثُمَّ يُتابَعُ الكَيُّ عَلَيْهِ.
والثّانِي: كامِلَةً، قالَهُ الضَّحّاكُ. فَيَكُونُ المَعْنى: أنَّها حَسَمَتِ اللَّيالِيَ والأيّامَ فاسْتَوْفَتْها عَلى الكَمالِ، لِأنَّها ظَهَرَتْ مَعَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وذَهَبَتْ مَعَ غُرُوبِها. قالَ مُقاتِلٌ: هاجَتِ الرِّيحُ غُدْوَةً، وسَكَنَتْ بِالعَشِيِّ في اليَوْمِ الثّامِنِ،
صفحة ٣٤٧
وَقُبِضَتْ أرْواحُهم في ذَلِكَ اليَوْمِ، ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ طَيْرًا أسْوَدَ فالتَقَطَهم حَتّى ألْقاهم في البَحْرِ.والثّالِثُ: أنَّها حَسَمَتْهُمْ، فَلَمْ تُبْقِ مِنهم أحَدًا، أيْ: أذْهَبَتْهم وأفْنَتْهُمْ، هَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَرى القَوْمَ فِيها﴾ أيْ: في تِلْكَ اللَّيالِي والأيّامِ ﴿صَرْعى﴾ وهو جَمْعُ صَرِيعٍ، لِأنَّهم صُرِعُوا بِمَوْتِهِمْ ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ﴾ أيْ: أُصُولُ نَخْلٍ "خاوِيَةٌ" أيْ: بالِيَةٌ. وقَدْ بَيَّنّا هَذا في سُورَةِ [القَمَرِ: ٢٠] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: مِن بَقاءٍ، قالَهُ الفَرّاءُ.
والثّانِي: مِن بَقِيَّةٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. قالَ: وهو مَصْدَرٌ كالطّاغِيَةِ.
والثّالِثُ: هَلْ تَرى لَهم مِن أثَرٍ؟ قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ ﴿وَجاءَ فِرْعَوْنُ ومَن قَبْلَهُ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ، والكِسائِيُّ، وأبانُ: بِكَسْرِ القافِ، وفَتْحِ الباءِ.
والباقُونَ: بِفَتْحِ القافِ، وإسْكانِ الباءِ. فَمَن كَسَرَ القافَ أرادَ: مَن يَلِيهِ ويَحُفُّ بِهِ مِن جُنُودِهِ وأتْباعِهِ. ومَن فَتَحَها أرادَ: مَن كانَ قَبْلَهُ مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ. وفي "المُؤْتَفِكاتِ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: قُرى قَوْمِ لُوطٍ. والمَعْنى: وأهْلُ المُؤْتَفِكاتِ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.
والثّانِي: أنَّهُمُ الَّذِينَ ائْتَفَكُوا بِذُنُوبِهِمْ، أيْ: هَلَكُوا بِالذُّنُوبِ الَّتِي مُعْظَمُها الإفْكُ، وهو الكَذِبُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ قارُونُ وقَوْمُهُ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِالخاطِئَةِ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: بِالذُّنُوبِ، وقالَ الزَّجّاجُ:
صفحة ٣٤٨
الخاطِئَةُ: الخَطَأُ العَظِيمُ ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: كَذَّبُوا رُسُلَهم ﴿فَأخَذَهم أخْذَةً رابِيَةً﴾ أيْ: زائِدَةً عَلى الأحْداثِ ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ أيْ: تَجاوَزَ حَدَّهُ حَتّى عَلا عَلى كُلِّ شَيْءٍ في زَمَنِ نُوحٍ "حَمَلْناكُمْ" يَعْنِي: حَمَلْنا آباءَكم وأنْتُمْ في أصْلابِهِمْ "فِي الجارِيَةِ" وهِيَ: السَّفِينَةُ الَّتِي تَجْرِي في الماءِ "لِنَجْعَلَها" أيْ: لِنَجْعَلَ تِلْكَ الفَعْلَةَ الَّتِي فَعَلْنا مِن إغْراقِ قَوْمِ نُوحٍ، ونَجاةِ مَن حَمَلْنا مَعَهُ "تَذْكِرَةً" أيْ: عِبْرَةً، ومَوْعِظَةً "وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ" أيْ: أُذُنٌ تَحْفَظُ ما سَمِعَتْ، وتَعْمَلُ بِهِ. وقالَ الفَرّاءُ: لِتَحْفَظَها كُلُّ أُذُنٍ، فَتَكُونَ عِظَةً لِمَن يَأْتِي بَعْدَهُ.