You are reading tafsir of 19 ayahs: 74:38 to 74:56.
صفحة ٤١١
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.أحَدُها: كُلُّ نَفْسٍ بالِغَةٍ مُرْتَهَنَةٌ بِعَمَلِها لِتُحاسَبَ عَلَيْهِ ﴿إلا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ وهم أطْفالُ المُسْلِمِينَ، فَإنَّهُ لا حِسابَ عَلَيْهِمْ، لِأنَّهُ لا ذُنُوبَ لَهُمْ، قالَهُ عَلِيٌّ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ.
والثّانِي: كُلُّ نَفْسٍ مِن أهْلِ النّارِ مُرْتَهَنَةٌ في النّارِ، إلّا أصْحابَ اليَمِينِ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ، فَإنَّهم في الجَنَّةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والثّالِثُ: كُلُّ نَفْسٍ مُرْتَهَنَةٌ بِعَمَلِها لَتُحاسَبَ عَلَيْهِ إلّا أصْحابَ اليَمِينِ، فَإنَّهم لا يُحاسَبُونَ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: إذا خَرَجَ أهْلُ التَّوْحِيدِ مِنَ النّارِ قالَ المُؤْمِنُونَ لِمَن بَقِيَ في النّارِ: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ؟﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: سَلَكَكم بِمَعْنى: أدْخَلَكم. وقالَ مُقاتِلٌ: ما حَبَسَكم فِيها؟ ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ لِلَّهِ في دارِ الدُّنْيا ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ أيْ: لَمْ نَتَصَدَّقْ لِلَّهِ ﴿وَكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ أهْلِ الباطِلِ والتَّكْذِيبِ ﴿وَكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ أيْ" بِيَوْمِ الجَزاءِ والحِسابِ ﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ وهو المَوْتُ. يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَما تَنْفَعُهم صفحة ٤١٢
احْبِسْ حِمارَكَ إنَّهُ مُسْتَنْفِرٌ في إثْرِ أحْمِرَةٍ عَمَدْنَ لِغُرَّبِ
"وَغُرَّبٌ" مَوْضِعٌ.وَفِي "القَسْوَرَةِ" سَبْعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الأسَدُ، رَواهُ يُوسُفُ بْنُ مِهْرانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وبِهِ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وابْنُهُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الحُمُرُ الوَحْشِيَّةُ إذا عايَنَتِ الأسَدَ هَرَبَتْ مِنهُ، فَكَذَلِكَ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ إذا سَمِعُوا النَّبِيَّ ﷺ هَرَبُوا مِنهُ،
صفحة ٤١٣
وَإلى هَذا ذَهَبَ أبُو عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كَأنَّهُ مِنَ القَسْرِ والقَهْرِ. فالأسَدُ يَقْهَرُ السِّباعَ.والثّانِي: أنَّ القَسْوَرَةَ: الرُّماةُ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ كَيْسانَ.
والثّالِثُ: أنَّ القَسْوَرَةَ: حِبالُ الصَّيّادِينَ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: أنَّهم عُصَبُ الرِّجالِ، رَواهُ أبُو حَمْزَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. واسْمُ أبِي حَمْزَةَ: نَصْرُ بْنُ عِمْرانَ الضَّبْعِيُّ.
والخامِسُ: أنَّهُ رِكْزُ النّاسِ، وهَذا في رِوايَةِ عَطاءٍ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ورِكْزُ النّاسِ: حِسُّهم وأصْواتُهم.
والسّادِسُ: أنَّهُ الظُّلْمَةُ واللَّيْلُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
والسّابِعُ: أنَّهُ النَّبْلُ، قالَهُ قَتادَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهم قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنْ سَرَّكَ أنْ نَتَّبِعَكَ، فَلْيُصْبِحْ عِنْدَ رَأْسِ كُلِّ رَجُلٍ مِنّا كِتابٌ مَنشُورٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى فُلانِ بْنِ فُلانٍ يُؤْمَرُ فِيهِ بِاتِّباعِكَ، قالَهُ الجُمْهُورُ.
والثّانِي: أنَّهم أرادُوا بَراءَةً مِنَ النّارِ أنْ لا يُعَذَّبُوا بِها، قالَهُ أبُو صالِحٍ.
والثّالِثُ: أنَّهم قالُوا: كانَ الرَّجُلُ إذا أذْنَبَ في بَنِي إسْرائِيلَ وجَدَهُ مَكْتُوبًا إذا أصْبَحَ في رُقْعَةٍ. فَما بالُنا لا نَرى ذَلِكَ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ الفَرّاءُ. فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿كَلا﴾ أيْ: لا يُؤْتَوْنَ الصُّحُفَ ﴿بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ أيْ: لا يَخْشَوْنَ عَذابَها. والمَعْنى: أنَّهم لَوْ خافُوا النّارَ لَما اقْتَرَحُوا الآياتِ بَعْدَ قِيامِ
صفحة ٤١٤
الدَّلالَةِ "كَلّا" أيْ: حَقًّا. وقِيلَ: مَعْنى ﴿كَلا﴾: لَيْسَ الأمْرُ كَما يُرِيدُونَ ويَقُولُونَ ﴿إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ أيْ: تَذْكِيرٌ ومَوْعِظَةٌ ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ الهاءُ عائِدَةٌ عَلى القُرْآنِ فالمَعْنى: فَمَن شاءَ أنْ يَذْكُرَ القُرْآنَ ويَتَّعِظَ بِهِ ويَفْهَمَهُ، ذَكَرَهُ. ثُمَّ رَدَّ المَشِيئَةَ إلى نَفْسِهِ فَقالَ تَعالى: ﴿وَما يَذْكُرُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ أيْ: إلّا أنْ يُرِيدَ لَهُمُ الهُدى ﴿هُوَ أهْلُ التَّقْوى﴾ أيْ: أهْلٌ أنْ يُتَّقى ﴿وَأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ أيْ: أهْلُ أنْ يَغْفِرَ لِمَن تابَ. رَوى أنَسٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «أنَّهُ تَلا هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ: قالَ رَبُّكم عَزَّ وجَلَّ: أنا أهْلٌ أنْ أُتَّقى، فَلا يُشْرِكُ بِي غَيْرِي. وأنا أهْلٌ لِمَنِ اتَّقى أنْ يُشْرِكَ بِي غَيْرِي أنْ أغْفِرَ لَهُ.»