You are reading tafsir of 14 ayahs: 96:6 to 96:19.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا﴾ أيْ: حَقًّا. وقالَ مُقاتِلٌ: ﴿كَلا﴾ لا يَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ عَلَّمَهُ. ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقالَ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ يَعْنِي: أبا جَهْلٍ. وكانَ إذا أصابَ مالًا أشِرَ وبَطَرَ في ثِيابِهِ، ومَراكِبِهِ، وطَعامِهِ. ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: أنْ رَأى نَفْسَهُ اسْتَغْنى. و " الرُّجْعى " المَرْجِعُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ مَعْنى: أرَأيْتَ: تَعْجِيبُهُ المُخاطَبَ، وإنَّما كَرَّرَها لِلتَّأْكِيدِ والتَّعْجِيبِ. والمُرادُ بِالنّاهِي هاهُنا: أبُو جَهْلٍ. «قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: صفحة ١٧٧ صفحة ١٧٨
قالَ المُفَسِّرُونَ: والمُرادُ بِالعَبْدِ هاهُنا: مُحَمَّدٌ ﷺ . وقِيلَ: كانَتِ الصَّلاةُ صَلاةَ الظُّهْرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ يَعْنِي المَنهِيَّ وهو النَّبِيُّ ﷺ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ يَعْنِي: النّاهِي، وهو أبُو جَهْلٍ، قالَ الفَرّاءُ: والمَعْنى: أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إذا صَلّى، وهو كاذِبٌ مُتَوَلٍّ عَنِ الذِّكْرِ، فَأيُّ شَيْءٍ أعْجَبُ مِن هَذا؟! وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: تَقْدِيرُهُ: أرَأيْتَهُ مُصِيبًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَعْلَمْ﴾ يَعْنِي: أبا جَهْلٍ ﴿بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ ذَلِكَ فَيُجازِيهِ ﴿كَلا﴾ أيْ: لا يَعْلَمُ ذَلِكَ ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ عَنْ تَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ وشَتْمِهِ وإيذائِهِ ﴿لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ﴾ السَّفْعُ: الأخْذُ، والنّاصِيَةُ: مُقَدَّمُ الرَّأْسِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ: سَفَعْتُ بِيَدِهِ،
صفحة ١٧٩
أيْ: أخَذْتُ بِها. وقالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: سَفَعْتُ الشَّيْءَ: إذا قَبَضْتَ عَلَيْهِ وجَذَبْتَهُ جَذْبًا شَدِيدًا. والمَعْنى: لَنَجُرَنَّ ناصِيَتَهُ إلى النّارِ.قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ناصِيَةٍ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي بَدَلٌ، فَلِذَلِكَ جَرَّها. قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: بِناصِيَةٍ صاحِبُها كاذِبٌ خاطِئٌ، كَما يُقالُ: نَهارُهُ صائِمٌ، ولَيْلُهُ قائِمٌ، أيْ: هو صائِمٌ في نَهارِهِ، قائِمٌ في لَيْلِهِ ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ أيْ: أهْلَ نادِيهِ، وهم أهْلُ مَجْلِسِهِ فَلْيَسْتَنْصِرْهم ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ قالَ عَطاءٌ: هُمُ المَلائِكَةُ الغِلاظُ الشِّدادُ. وقالَ مُقاتِلٌ: هم خَزَنَةُ جَهَنَّمَ. وقالَ قَتادَةُ: الزَّبانِيَةُ في كَلامِ العَرَبِ: الشُّرَطُ. قالَ الفَرّاءُ: كانَ الكِسائِيُّ يَقُولُ: لَمْ أسْمَعْ لِلزَّبانِيَةِ بِواحِدٍ، ثُمَّ قالَ بِأخَرَةٍ: واحِدُ الزَّبانِيَةِ: زِبْنِيٌّ، فَلا أدْرِي أقِياسًا مِنهُ أوْ سَماعًا. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: واحِدُ الزَّبانِيَةِ: زِبْنِيَةٌ، وهو كُلُّ مُتَمَرِّدٍ مِن إنْسٍ، أوْ جانٍّ. يُقالُ: فُلانٌ زِبْنِيَةٌ عِفْرِيَةٌ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الزَّبْنِ، وهو الدَّفْعُ، كَأنَّهم يَدْفَعُونَ أهْلَ النّارِ إلَيْها. قالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: الزَّبْنُ: الدَّفْعُ. يُقالُ: ناقَةٌ زَبُونٌ: إذا زَبَنَتْ حالِبَها، ودَفَعَتْهُ بِرِجْلِها. وتَزابَنَ القَوْمُ: تَدارَؤُوا. واشْتِقاقُ الزَّبانِيَةِ مِنَ الزَّبْنِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا﴾ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ عَلى ما عَلَيْهِ أبُو جَهْلٍ ﴿لا تُطِعْهُ﴾ في تَرْكِ الصَّلاةِ ﴿واسْجُدْ﴾ أيْ: صِلِّ لِلَّهِ ﴿واقْتَرِبْ﴾ إلَيْهِ بِالطّاعَةِ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿واقْتَرِبْ﴾ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ . وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ خِطابٌ لِأبِي جَهْلٍ. ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ.
صفحة ١٨٠
أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: اسْجُدْ أنْتَ يا مُحَمَّدُ، واقْتَرِبْ أنْتَ يا أبا جَهْلٍ مِنَ النّارِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.والثّانِي: واقْتَرِبْ يا أبا جَهْلٍ تَهَدُّدًا لَهُ، رَواهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ عَنْ بَعْضِ القُدَماءِ. وهَذا يَشْرَحُهُ حَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي قَدَّمْناهُ. ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: " «أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ وهو ساجِدٌ فَأكْثِرُوا الدُّعاءَ» " .