ولَمّا كانَ عَدَمُ إيراثِ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ الدّارِ الَّتِي تَقَدَّمَ وصْفَها (p-٣١٨)تَسْوِيَةً بَيْنَ المُحْسِنِ والمُسِيءِ، وكانَ ذَلِكَ لا يَلِيقُ بِحَكِيمِ أنْ يَفْعَلَهُ، وجَبَ إنْكارُهُ لِتُحَقِّقَ أنَّ ما أخْبَرَ بِهِ سُبْحانَهُ لا يَكُونُ إلّا كَذَلِكَ لا سِيَّما وقَدْ كانَ الكُفّارُ يَقُولُونَ: إنَّهم كالمُسْلِمِينَ أوْ أحْسَنَ حالًا مِنهُمْ، وذَلِكَ أنَّهُ إنْ كانَ لا بَعْثَ، كَما كانُوا يَظُنُّونَ، فَقَدِ اسْتَوُوا فِيما بَعْدَهُ مَعَ ما فَضَّلُوهم بِهِ في الدُّنْيا مِنَ اتِّباعِ الأهْواءِ والظَّفَرِ بِاللَّذائِذِ، وإنْ كانَ ثَمَّ بَعْثٌ فَقَدْ كانُوا يَقُولُونَ لِشُبْهَةٍ دَعَتْهم إلَيْها شَهْوَتُهُمْ: أما نَكُونُ عَلى تَقْدِيرِهِ أحْسَنُ حالًا مِنكم وآثَرُ عِنْدَ اللَّهِ في حُسْنِ العَيْشِ كَما نَحْنُ في هَذِهِ الدّارِ لِأنَّهُ ما بَسَطَ لَنا في هَذِهِ الدّارِ إلّا ونَحْنُ عِنْدُهُ أفْضَلُ مِنكُمْ، فَقالَ تَعالى مُنْكِرًا ومُكَذِّبًا لِذَلِكَ غايَةَ إنْكارٍ والتَّكْذِيبُ عائِبًا التَّحَكُّمَ بِالجَهْلِ غايَةَ العَيْبِ نافِيًا لِلْمُساواةِ لِيَكُونَ انْتِقامًا هو أعْلى مِن بابِ الأوْلى مُسَبِّبًا عَمًّا تَقْدِيرُهُ: ولا يَكُونُ لِغَيْرِ المُتَّقِينَ ذَلِكَ: ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ هم عَرِيقُونَ في الِانْقِيادِ لِأوامِرِنا والصِّلَةِ لِما أمَرَنا بِوَصْلِهِ طَلَبًا لِمَرْضاتِنا فَلا اخْتِيارَ لَهم مَعَنا في نَفْسٍ ولا غَيْرِها لِحُسْنِ جِبِلّاتِهِمْ ﴿كالمُجْرِمِينَ﴾ أيِ الرّاسِخِينَ في قَطْعِ ما أمَرَنا بِهِ [ أنْ يُوصَلَ -] وأنْتُمْ لا تُقِرُّونَ مِثْلَ ذَلِكَ، بَلْ مَن عانَدَكم نَوْعُ مُعانَدَةٍ قاطَعْتُمُوهُ ولَوْ وصَلَ الأمْرُ إلى القَتْلِ.