ولَمّا قَدَّمَها دَلالَةً عَلى الِاهْتِمامِ بِها وعَلى تَخْصِيصِها لِشِدَّةِ مَخافَتِها، عُرِفَ بِعَظِيمِ هَوْلِها وشَدَّةِ فَظاعَتِها لِيَجْتَمِعِ المَفْهُومُ والمَنطُوقُ عَلى تَهْوِيلِها فَقالَ: ﴿ذَرْعُها﴾ أيْ في أيِّ شَيْءٍ فُرِضَتْ مِن طُولٍ أوْ عَرْضٍ ﴿سَبْعُونَ ذِراعًا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ [ هَذا -] العَدَدُ حَقِيقَةً، وأنْ يَكُونَ مُبالَغَةً، والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّها لِلْمُبالَغَةِ ما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ - وقالَ: إسْنادُهُ حَسَنٌ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لَوْ أنَّ رَصاصَةً مِثْلَ هَذِهِ - وأشارَ [ إلى -] مِثْلِ الجُمْجُمَةِ - وأُرْسِلَتْ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ - وهي مَسِيرَةُ خَمْسِمائَةِ سَنَةٍ - لَبَلَغَتِ الأرْضَ قَبْلَ اللَّيْلِ، ولَوْ أنَّها أُرْسِلَتْ مِن رَأْسِ السِّلْسِلَةِ لَسارَتْ أرْبَعِينَ خَرِيفًا اللَّيْلُ والنَّهارُ قَبْلَ أنْ تَبْلُغَ أصْلَها وقَعْرَها» وأشارَ سُبْحانَهُ (p-٣٧٠)إلى ضِيقِها عَلى ما تُحِيطُ بِهِ مِن بَدَنِهِ بِتَعْبِيرِهِ بِالسَّلْكِ فَقالَ: ﴿فاسْلُكُوهُ﴾ أيْ أدْخِلُوهُ بِحَيْثُ يَكُونُ كَأنَّهُ السِّلْكُ - أيِ الحَبَلُ - الَّذِي يَدْخُلُ في ثُقْبِ الخَرْزَةِ بِعُسْرٍ لِضِيقِ ذَلِكَ الثُّقْبِ إمّا بِإحاطَتِها بِعُنُقِهِ أوْ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ بِأنْ تَلَفَ عَلَيْهِ فَيَصِيرُ في غايَةِ الضَّنْكِ والهَوانِ لا يَقْدِرُ عَلى حَرَكَةٍ أصْلًا، وهَذا تَعْذِيبُ القالَبِ لِأنَّهُ أفْسَدُ القَلْبَ بِعَدَمِ الإيمانِ والقالَبُ بِعَدَمِ الأعْمالِ.