ولَمّا صَوَّرَ مَبْدَأ الإهْلاكِ بِأفْظَعِ صُورَةٍ، أتَمَّهُ مُشِيرًا إلى شِدَّةِ بَشاعَتِهِ بِحَرْفِ التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا﴾ حَتْمًا بِلا مَثْنَوِيَّةٍ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ قَطْعًا يَتَلاشى عِنْدَهُ كُلُّ قَطْعٍ ﴿مِنهُ الوَتِينَ﴾ أيِ العَرَقِ الأعْظَمِ في العُنُقِ الثّابِتِ الدّائِمِ المَتِينِ الَّذِي يُسَمّى الوَرِيدُ، وهو بَيْنَ العِلْباءِ والحُلْقُومِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ نِياطُ القَلْبِ، وفي القامُوسِ: عِرْقٌ في القَلْبِ إذا انْقَطَعَ ماتَ صاحِبُهُ - انْتَهى. واخْتِيرَ التَّعْبِيرُ بِهِ لِأنَّ مادَّتَهُ بِهَذا التَّرْتِيبِ تَدُورُ عَلى المَتانَةِ والدَّوامِ، فَلِذا كانَ يَفُوتُ صاحِبَهُ بِفَواتِهِ، وقالَ ابْنُ بُرْجانَ: عِرْقٌ مُتَّصِلٌ بِنِياطِ القَلْبِ مُسْتَبْطِنٌ لِلصُّلْبِ يَمْلَأُ الجَسَدَ كُلَّهُ تَسْقِيهِ الكَبِدُ وهي بَيْتُ الدَّمِ وهو يَجْرِي مِنها الدَّمُ في البَدَنِ يَأْخُذُ مِنهُ سِتُّونَ عِرْقًا هي أنْهارُ الدَّمِ في الجَسَدِ كُلِّهِ، مِن هَذِهِ الأنْهارِ تَأْخُذُ الجَسَدَ ثَمانِيَةَ عَشَرَ تَسْقِي الصَّدْرَ، وسَبْعَةً تَسْقِي العَيْنَ، وأرْبَعَةً تَسْقِي الدِّماغَ، والوَتِينُ مِن مَجْمَعِ الوِرْكَيْنِ إلى مَجْمَعِ (p-٣٨٢)الصَّدْرِ بَيْنَ التُّرْقُوَتَيْنِ، ثُمَّ يَنْقَسِمُ عَنْهُ سائِرُ العُرُوقِ إلى سائِرِ الجَسَدِ، ولا يُمْكِنُ في العادَةِ الحَياةُ بَعْدَ قَطْعِهِ، وفي المائِدَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] ما يَنْفَعُ هُنا.