ولَمّا صَوَّرَ وقْتَ تَأسُّفِهِ عَلى الدُّنْيا وإعْراضِهِ عَنْها، ذَكَرَ غايَةَ ذَلِكَ فَقالَ مُفْرِدًا النَّبِيَّ ﷺ بِالخِطابِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَفْهَمُ هَذا حَقَّ فَهْمِهِ غَيْرُهُ: ﴿إلى رَبِّكَ﴾ أيْ مَوْعِدٌ وحُكْمُ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِإرْسالِكَ وتَصْدِيقِكَ في جَمِيعِ ما بَلَّغَتَهُ عَنْهُ ونَصَرَكَ عَلى كُلِّ مَن ناواكَ، لا إلى غَيْرِهِ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ إذْ وقَعَ هَذا الأمْرُ ﴿المَساقُ﴾ [أيِ السُّوقِ -] ومَوْضِعُ السُّوقِ وزَمانُهُ، كُلُّ ذَلِكَ داخِلٌ في حُكْمِهِ، قَدْ (p-١١١)انْقَطَعَتْ عَنْهُ أحْكامُ أهْلِ الدُّنْيا، فَإمّا أنْ تَسُوقَهُ المَلائِكَةُ إلى سَعادَةٍ بَيِّنَةٍ وإمّا إلى شَقاوَةٍ بَيِّنَةٍ، أوْ هو كِنايَةٌ عَنْ عَرْضِهِ بَعْدَ المَوْتِ عَلى اللَّهِ تَعالى فَلا يَنْفَعُهُ إذا حَقَّقَ لَهُ الوَعْظُ بِالمَوْتِ قَوْلُهُ: أمُوتُ فَأسْتَرِيحُ، فَإنَّهُ يَرْجِعُ بِالمَوْتِ إلى سَيِّدِهِ، فَإنْ كانَ مُطِيعًا لَقِيَهُ بِما يُرْضِيهِ، وإنْ كانَ عاصِيًا لَقِيَهُ بِما يَلْقى بِهِ العَبْدَ الآبِقَ عَلى قَدْرِ إباقِهِ.