﴿وأكوابٌ كَانَتْ قَوَارِيرَا قَوَارِيرَا مِنْ فضَّة﴾ الْأَكْوَابُ: الْأَكْوَازُ وَاحِدُهَا: كُوبٌ؛ وَهُوَ المُدَوّرُ الْقَصِيرُ الْعُنُقِ الْقَصِيرُ الْعُرْوَةِ، وَمَعْنَى كَانَتْ قَوَارِيرَا قَوَارِيرَا مِنْ فضَّة؛ أَيْ: يَجْتَمِعُ فِيهَا صَفَاءُ الْقَوَارِيرِ فِي بَيَاضِ الْفِضَّةِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ مِنْ تُرَابِ أَرْضِهِمْ قَوَارِيرَ، وَإِنَّ تُرَابَ الْجَنَّةِ فِضَّةٌ، فَهِيَ قَوَارِيرُ مِنْ فِضَّةٍ يَشْرَبُونَ فِيهَا يُرَى الشَّرَابُ مِنْ وَرَاءِ جُدُرِ الْقَوَارِيرِ؛ وَهَذَا لَا يَكُونُ فِي فِضَّةِ الدُّنْيَا.
قَالَ مُحَمَّدٌ: قَرَأَهُ أَهْلُ الْحِجَازِ وَأَهْلُ الْكُوفَةِ (قَوَارِيرًا قَوَارِيرًا) بِإِثْبَاتِ الْأَلْفِ وَالتَّنْوِينِ؛ ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ: وَكَانَ حَمْزَةُ يُسْقِطُ الْأَلَفَ مُنْهُنَّ وَلا يُصْرَفْنَ. وَذَكَرَ الزجَّاج: أَنَّ الِاخْتِيَارَ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ أَنْ تُقْرَأَ بِغَيْرِ صَرْفٍ قَالَ: وَمَنْ قَرَأَهُ قَوَارِيرًا بِصَرْفُ الْأَوَّلِ فَلِأَنَّهُ رَأْسُ آيَةٍ، وَمَنْ صَرَفَ الثَّانِيَ أَتْبَعَ اللَّفْظَ اللَّفْظَ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ رُبَّمَا قَلَبَتْ إِعْرَابَ الشَّيْءِ؛ لِتُتْبِعَ اللَّفْظَةَ اللَّفْظَةَ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا للْكَافِرِينَ سلاسلاً وأغلالاً وسعيرًا﴾ الْأَجْوَدُ فِي الْعَرَبِيَّةِ: أَلَّا يُصْرَفُ وَلَكِنْ لَمَّا جُعْلِتْ رَأْسَ آيَةٍ صُرِفَتْ لِيَكُونَ آخِرُ الْآيِ عَلَى لفظ وَاحِد.
﴿قدروها تَقْديرا﴾ أَيْ: فِي أَنْفُسِهِمْ فَأَتَتْهُمْ عَلَى نَحْوِ مَا قَدَّرُوا وَاشْتَهَوْا مِنْ صِغَارٍ وَكِبَارٍ وأوساطٍ، هَذَا تَفْسِيرُ قَتَادَة