Tafsir Ibn Al-Qayyim

Multiple Ayahs

Tags

Download Links

Tafsir Ibn Al-Qayyim tafsir for Surah Al-Mujadila — Ayah 2

ٱلَّذِينَ يُظَٰهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَآئِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَٰتِهِمۡۖ إِنۡ أُمَّهَٰتُهُمۡ إِلَّا ٱلَّٰٓـِٔي وَلَدۡنَهُمۡۚ وَإِنَّهُمۡ لَيَقُولُونَ مُنكَرٗا مِّنَ ٱلۡقَوۡلِ وَزُورٗاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٞ ٢

فإن قيل: فما تقولون في قول المظاهر: أنت عليّ كظهر أمي: هل هو إنشاء أو إخبار؟

فإن قلتم: إنشاء كان باطلا من وجوه:

أحدها: أن الإنشاء لا يقبل التصديق والتكذيب. والله سبحانه قد كذبهم هنا في ثلاثة مواضع.

أحدها: في قوله «ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ» فنفي ما أثبتوه. وهذا حقيقة التكذيب.

ومن طلق امرأته، لا يحسن أن يقال: ما هي مطلقته

والثاني: في قوله «إنَّهم لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ» والإنشاء لا يكون منكرا من القول، وإنما يكون المنكر هو الخبر.

والثاني: أنه سماه «زورا» والزور: هو الكذب.

وإذا كذبهم الله دل على أن الظهار إخبار لا إنشاء.

الثالث: أن الظهار محرم، وليس جهة تحريمه إلّا كونه كذبا.

والدليل على تحريمه: خمسة أشياء.

أحدها: وصفه بالمنكر.

والثاني وصفه بالزور.

والثالث: أنه شرع فيه الكفارة.

ولو كان مباحا لم يكن فيه كفارة.

والرابع: أن الله قال: ﴿ذلِكم تُوعَظُونَ بِهِ﴾

والوعظ إنما يكون في غير المباحات.

والخامس: قوله: ﴿وَإنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾

والعفو والمغفرة: إنما يكونان عن الذنب.

وإن قلتم: هو إخبار، فهو باطل من وجوه.

أحدها: أن الظهار كان طلاقا في الجاهلية فجعله الله في الإسلام تحريما تزيله الكفارة. وهذا متفق عليه بين أهل العلم. ولو كان خبرا لم يوجب التحريم. فإنه إن كان صدقا فظاهر. وإن كان كذبا: فأبعد له من أن يترتب عليه التحريم.

والثاني: أنه لفظ الظهار يوجب حكمه الشرعي بنفسه، وهو التحريم.

وهذا حقيقة الإنشاء، بخلاف الخبر. فإنه لا يوجب حكمه بنفسه. فسلب كونه إنشاء مع ثبوت حقيقة الإنشاء فيه: جمع بين النقيضين.

والثالث: أن إفادة قوله: أنت علي كظهر أمي: للتحريم، كإفادة قوله: أنت حرة، وأنت طالق. وبعتك ورهنتك، وتزوجتك، ونحوها:

لأحكامها. فكيف يقولون: هذه إنشاءات دون الظهار؟ وما الفرق؟

قيل: أما الفقهاء فيقولون: الظهار إنشاء. ونازعهم بعض المتأخرين في ذلك. وقال: الصواب أنه إخبار.

وأجاب عما احتجوا به من كونه إنشاء.

قال: أما قولهم: كان طلاقا في الجاهلية: فهذا لا يقتضي أنهم كانوا يثبتون به الطلاق، بل يقتضي أنهم كانوا يزيلون به العصمة عند النطق به.

فجاز أن يكون زوالها لكونه إنشاء، كما زعمتم، أو لكونه كذبا، وجرت عادتهم أن من أخبر بهذا الكذب زالت عصمة نكاحه. وهذا كما التزموا تحريم الناقة إذا جاءت بعشرة من الولد. ونحو ذلك.

قال: وأما قولكم: إنه يوجب التحريم المؤقت. وهذا حقيقة الإنشاء، لا الإخبار - فلا نسلم أن ثم تحريما ألبتة - والذي دل عليه القرآن: وجوب تقديم الكفارة على الوطء، كتقديم الطهارة على الصلاة. فإذا قال الشارع:

لا تصل حتى تتطهر: ولا يدل ذلك على تحريم الصلاة عليه، بل ذلك نوع ترتيب.

سلمنا أن الظهار ترتب عليه تحريم، لكن التحريم عقب الشيء قد يكون لاقتضاء اللفظ له، ودلالته عليه. وهذا هو الإنشاء. وقد يكون عقوبة محضة، كترتيب حرمان الإرث على القتل.

وليس القتل إنشاء للتحريم، وكترتيب التعزير على الكذب، وإسقاط العدالة به. فهذا ترتيب بالوضع الشرعي، لا بدلالة اللفظ.

وحقيقة الإنشاء: أن يكون ذلك اللفظ وضع لذلك الحكم. ويدل عليه، كصيغ العقود. فسببية القول أعم من كونه سببا بالإنشاء أو بغيره.

فكل إنشاء سبب، وليس كل سبب إنشاء. فالسببية أعم. فلا يستدل بمطلقها على الإنشاء.

فإن الأعم لا يستلزم الأخص. فظهر الفرق بين ترتب التحريم على الطلاق، وترتبه على الظهار.

قال: وأما قولكم: إنه كالتكلم بالطلاق والعتاق والبيع ونحوها:

فقياس في الأسباب. فلا نقبله. ولو سلمناه نص القرآن يدفعه.

وهذه الاعتراضات عليهم باطلة.

وأما قوله: إن كونه طلاقا في الجاهلية فلا يقتضي أنهم كانوا يثبتون به الطلاق إلخ فكلام باطل قطعا. فإنهم لم يكونوا يقصدون الإخبار بالكذب ليترتب عليه التحريم، بل كانوا إذا أرادوا الطلاق أتوا بلفظ الظهار إرادة للطلاق. ولم يكونوا عند أنفسهم كاذبين ولا مخبرين. وإنما كانوا منشئين للطلاق به. ولهذا كان هذا ثابتا في أول الإسلام. حتى نسخه الله بالكفارة في قصة خولة بنت ثعلبة وكانت تحت عبادة بن الصامت. فقال لها «أنت علي كظهر أمي.

فأتت رسول الله ﷺ، فسألته عن ذلك. فقال رسول الله ﷺ حرمت عليه.

فقالت: يا رسول الله، والذي أنزل عليك الكتاب ما ذكر الطلاق، وإنه أبو ولدي. وأحب الناس إلي. فقال: حرمت عليه.

فقالت: أشكو إلى الله فاقتي وحدتي. فقال رسول الله ﷺ: ما أراك إلا قد حرمت عليه. ولم أومر في شأنك بشيء. فجعلت تراجع رسول الله ﷺ. وإذا قال لها: حرمت عليه. هتفت وقالت: أشكو إلى الله فاقتي وشدة حالي، وأن لي صبية صغارا، إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إليّ جاعوا.

وجعلت ترفع رأسها إلى السماء، وتقول: اللهم إني أشكوا إليك.

وكان هذا أول ظهار في الإسلام. فنزل الوحي على رسول الله ﷺ فلما قضي الوحي.

قال رسول الله ﷺ: ادعي زوجك، فتلا عليه رسول الله ﷺ قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها وتَشْتَكِي إلى اللَّهِ واللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما﴾ الآيات.

فهذا يدل على أن الظهار كان إنشاء للتحريم الحاصل بالطلاق في أول الإسلام، ثم نسخ ذلك بالطلاق. وبهذا يبطل ما نظر به من تحريم الناقة عند ولادها عشرة أبطن ونحوه. فإنه ليس هناك لفظ إنشاء يقتضي التحريم، بل هو شرع منهم لهذا التحريم عند هذا السبب.

وأما قوله: إنا لا نسلم أنه يوجب تحريما: فكلام باطل. فإنه لا نزاع بين الفقهاء أن الظهار يقتضي تحريما تزيله الكفارة. فلو وطئها قبل التكفير أثم بالإجماع المعروف من الدين. والتحريم المؤقت هنا كالتحريم بالإحرام، وبالصيام وبالحيض.

وأما تنظيره بالصلاة مع الطهر ففاسد. فإن الله أوجب على المصلي أن يصلي صلاة بطهر. فإذا لم يأت بالطهر ترك ما أوجب الله عليه، فأستحق الإثم. وأما المظاهر فإنه حرم على نفسه امرأته وشبّهها بمن تحرم عليه.

فمنعه الله من قربانها حتى يكفر. فهنا تحريم مستند إلى كفارة. وفي الصلاة لا تجزئ منه بغير طهر. لأنها صلاة غير مشروعة أصلا.

وقوله: التحريم عقب الشيء قد يكون لاقتضاء اللفظ له، وقد يكون عقوبة إلخ.

جوابه: أنهما غير متنافيين في الظهار، فإنه حرام، وتحرم المرأة به تحريما مؤقتا حتى يكفر. وهذا لا يمنع كون اللفظ إنشاء، كجمع الثلاث عند من يوقعها، والطلاق في الحيض، فإنه يحرم ويعقبه التحريم. وقد قلتم: إن طلاق السكران يقع عقوبة له، مع أنه لم يقصد إنشاء سبب تطلق به امرأته اتفاقا.

فكون التحريم عقوبة لا ينفي أن يستند إلى أسبابها التي تكون إنشاءات لها.

وقوله: السببية أعم من الإنشاء.

جوابه: أن السبب نوعان.

فعل وقول، فمتى كان قولا لم يكن إلا إنشاء. فإن أردتم بالعموم: أن سببية القول أعم من كونها إنشاء وإخبارا فممنوع. وإن أردتم أن مطلق السببية أعم من كونها سببية بالفعل وبالقول.

فمسلم. ولا يفيدكم شيئا.

وفصل الخطاب: أن قوله: أنت علي كظهر أمي: يتضمن إنشاء وإخبارا.

فهو إنشاء من حيث قصد التحريم بهذا اللفظ، وإخبار من حيث تشبيهها بظهر أمه.

ولهذا جعله الله منكرا من القول زورا.

فهو منكر باعتبار الإنشاء، وزور باعتبار الإخبار.

وأما قوله: إن المنكر هو الخبر الكاذب من النّكر. والنكر أعم منه.

فالإنكار في الإنشاء والإخبار. فإنه ضد المعروف.

فما لم يؤذن فيه من الإنشاء فهو منكر. وما لم يكن صدقا من الأخبار فهو زور.

[حُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الظِّهارِ، وبَيانُ ما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ ومَعْنى العَوْدِ المُوجِبِ لِلْكَفّارَةِ]

قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنكم مِن نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إنْ أُمَّهاتُهم إلّا اللّائِي ولَدْنَهم وإنَّهم لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ وزُورًا وإنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ - والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا ذَلِكم تُوعَظُونَ بِهِ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ - فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَإطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [المجادلة: ٢-٤].

ثَبَتَ في السُّنَنِ والمَسانِيدِ: أنَّ أوس بن الصامت ظاهَرَ مِن زَوْجَتِهِ خولة بنت مالك بن ثعلبة، وهي الَّتِي جادَلَتْ فِيهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ واشْتَكَتْ إلى اللَّهِ، وسَمِعَ اللَّهُ شَكْواها مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ، فَقالَتْ: «يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أوس بن الصامت تَزَوَّجَنِي وأنا شابَّةٌ مَرْغُوبٌ فِيَّ، فَلَمّا خَلا سِنِّي، ونَثَرَتْ لَهُ بَطْنِي، جَعَلَنِي كَأُمِّهِ عِنْدَهُ، فَقالَ لَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ما عِنْدِي في أمْرِكِ شَيْءٌ، فَقالَتْ: اللَّهُمَّ إنِّي أشْكُو إلَيْكَ» ورُوِيَ أنَّها قالَتْ: «إنَّ لِي صِبْيَةً صِغارًا، إنْ ضَمَّهم إلَيْهِ ضاعُوا، وإنْ ضَمَمْتُهم إلَيَّ جاعُوا، فَنَزَلَ القُرْآنُ.»

وَقالَتْ عائشة: «الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وسِعَ سَمْعُهُ الأصْواتَ، لَقَدْ جاءَتْ خولة بنت ثعلبة تَشْكُو إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأنا في كِسْرِ البَيْتِ يَخْفى عَلَيَّ بَعْضُ كَلامِها فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها وتَشْتَكِي إلى اللَّهِ واللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾».

فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لِيُعْتِقْ رَقَبَةً، قالَتْ: لا يَجِدُ، قالَ: فَيَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ، قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّهُ شَيْخٌ كَبِيرٌ ما بِهِ مِن صِيامٍ، قالَ: فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا، قالَتْ: ما عِنْدَهُ مِن شَيْءٍ يَتَصَدَّقُ بِهِ، قالَتْ: فَأُتِيَ ساعَتَئِذٍ بِعَرَقٍ مِن تَمْرٍ، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَإنِّي أُعِينُهُ بِعَرَقٍ آخَرَ، قالَ: أحْسَنْتِ فَأطْعِمِي عَنْهُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، وارْجِعِي إلى ابْنِ عَمِّكِ»

وَفِي السُّنَنِ أنَّ «سلمة بن صخر البياضي ظاهَرَ مِنِ امْرَأتِهِ مُدَّةَ شَهْرِ رَمَضانَ، ثُمَّ واقَعَها لَيْلَةً قَبْلَ انْسِلاخِهِ، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: أنْتَ بِذاكَ يا سلمة "،

قالَ: قُلْتُ: أنا بِذاكَ يا رَسُولَ اللَّهِ مَرَّتَيْنِ وأنا صابِرٌ لِأمْرِ اللَّهِ، فاحْكم فِيَّ بِما أراكَ اللَّهُ، قالَ: " حَرِّرْ رَقَبَةً "

قُلْتُ: والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ نَبِيًّا ما أمْلِكُ رَقَبَةً غَيْرَها، وضَرَبْتُ صَفْحَةَ رَقَبَتِي، قالَ: فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ، قالَ: وهَلْ أصَبْتُ الَّذِي أصَبْتُ إلّا في الصِّيامِ، قالَ: فَأطْعِمْ وسْقًا مِن تَمْرٍ بَيْنَ سِتِّينَ مِسْكِينًا.

قُلْتُ: والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، لَقَدْ بِتْنا وحْشَيْنِ ما لَنا طَعامٌ، قالَ فانْطَلِقْ إلى صاحِبِ صَدَقَةِ بَنِي زُرَيْقٍ فَلْيَدْفَعْها إلَيْكَ، فَأطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا وسْقًا مِن تَمْرٍ، وكُلْ أنْتَ وعِيالُكَ بَقِيَّتَها.

قالَ: فَرُحْتُ إلى قَوْمِي فَقُلْتُ: وجَدْتُ عِنْدَكُمُ الضِّيقَ وسُوءَ الرَّأْيِ، ووَجَدْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ السَّعَةَ وحُسْنَ الرَّأْيِ، وقَدْ أمَرَ لِي بِصَدَقَتِكُمْ»

وَفِي " جامِعِ الترمذي " عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ رَجُلًا أتى النَّبِيَّ ﷺ قَدْ ظاهَرَ مِنِ امْرَأتِهِ فَوَقَعَ عَلَيْها، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي ظاهَرْتُ مِنِ امْرَأتِي فَوَقَعْتُ عَلَيْها قَبْلَ أنْ أُكَفِّرَ، قالَ: وما حَمَلَكَ عَلى ذَلِكَ، يَرْحَمُكَ اللَّهُ، قالَ رَأيْتُ خَلْخالَها في ضَوْءِ القَمَرِ، قالَ فَلا تَقْرَبْها حَتّى تَفْعَلَ ما أمَرَكَ اللَّهُ»

قالَ: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ.

وَفِيهِ أيْضًا: عَنْ سلمة بن صخر، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في المُظاهِرِ يُواقِعُ قَبْلَ أنْ يُكَفِّرَ، فَقالَ: (كَفّارَةٌ واحِدَةٌ) وقالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ انْتَهى، وفِيهِ انْقِطاعٌ بَيْنَ سُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ وسَلَمَةَ بن صخر.

وَفِي مُسْنَدِ البزار، عَنْ إسماعيل بن مسلم، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ، عَنْ طاوُوسٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قالَ: «أتى رَجُلٌ إلى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: إنِّي ظاهَرْتُ مِنِ امْرَأتِي، ثُمَّ وقَعْتُ عَلَيْها قَبْلَ أنْ أُكَفِّرَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ألَمْ يَقُلِ اللَّهُ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ [المجادلة: ٣]؟

فَقالَ: أعْجَبَتْنِي، فَقالَ: أمْسِكْ عَنْها حَتّى تُكَفِّرَ»

قالَ البزار: لا نَعْلَمُهُ يُرْوى بِإسْنادٍ أحْسَنَ مِن هَذا، عَلى أنَّ إسماعيل بن مسلم قَدْ تُكُلِّمَ فِيهِ، ورَوى عَنْهُ جَماعَةٌ كَثِيرَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ.

فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الأحْكامُ أُمُورًا.

أحَدُها: إبْطالُ ما كانُوا عَلَيْهِ في الجاهِلِيَّةِ، وفي صَدْرِ الإسْلامِ مِن كَوْنِ الظِّهارِ طَلاقًا، ولَوْ صَرَّحَ بِنِيَّتِهِ لَهُ، فَقالَ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، أعْنِي بِهِ الطَّلاقَ، لَمْ يَكُنْ طَلاقًا، وكانَ ظِهارًا، وهَذا بِالِاتِّفاقِ، إلّا ما عَساهُ مِن خِلافٍ شاذٍّ، وقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ أحمد والشّافِعِيُّ وغَيْرُهُما. قالَ الشّافِعِيُّ: ولَوْ ظاهَرَ يُرِيدُ طَلاقًا كانَ ظِهارًا، أوْ طَلَّقَ يُرِيدُ ظِهارًا كانَ طَلاقًا، هَذا لَفْظُهُ، فَلا يَجُوزُ أنْ يُنْسَبَ إلى مَذْهَبِهِ خِلافُ هَذا، ونَصَّ أحمد: عَلى أنَّهُ إذا قالَ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، أعْنِي بِهِ الطَّلاقَ، أنَّهُ ظِهارٌ ولا تَطْلُقُ بِهِ، وهَذا لِأنَّ الظِّهارَ كانَ طَلاقًا في الجاهِلِيَّةِ فَنُسِخَ، فَلَمْ يَجُزْ أنْ يُعادَ إلى الحُكْمِ المَنسُوخِ.

وَأيْضًا فأوس بن الصامت إنَّما نَوى بِهِ الطَّلاقَ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ، وأجْرى عَلَيْهِ حُكْمَ الظِّهارِ دُونَ الطَّلاقِ.

وَأيْضًا فَإنَّهُ صَرِيحٌ في حُكْمِهِ، فَلَمْ يَجُزْ جَعْلُهُ كِنايَةً في الحُكْمِ الَّذِي أبْطَلَهُ عَزَّ وجَلَّ بِشَرْعِهِ، وقَضاءُ اللَّهِ أحَقُّ، وحُكْمُ اللَّهِ أوْجَبُ.

وَمِنها أنَّ الظِّهارَ حَرامٌ لا يَجُوزُ الإقْدامُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ كَما أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ مُنْكَرٌ مِنَ القَوْلِ وزُورٌ، وكِلاهُما حَرامٌ، والفَرْقُ بَيْنَ جِهَةِ كَوْنِهِ مُنْكَرًا، وجِهَةِ كَوْنِهِ زُورًا، أنَّ قَوْلَهُ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي يَتَضَمَّنُ إخْبارَهُ عَنْها بِذَلِكَ وإنْشاءَهُ تَحْرِيمَها، فَهو يَتَضَمَّنُ إخْبارًا وإنْشاءً، فَهو خَبَرٌ زُورٌ، وإنْشاءٌ مُنْكَرٌ، فَإنَّ الزُّورَ هو الباطِلُ خِلافُ الحَقِّ الثّابِتِ، والمُنْكَرَ خِلافُ المَعْرُوفِ، وخَتَمَ سُبْحانَهُ الآيَةَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ [المجادلة: ٢] وفِيهِ إشْعارٌ بِقِيامِ سَبَبِ الإثْمِ الَّذِي لَوْلا عَفْوُ اللَّهِ ومَغْفِرَتُهُ لَآخَذَ بِهِ.

وَمِنها: أنَّ الكَفّارَةَ لا تَجِبُ بِنَفْسِ الظِّهارِ، وإنَّما تَجِبُ بِالعَوْدِ.

وَهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، ورَوى الثَّوْرِيُّ، عَنِ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ، عَنْ طاوُوسٍ قالَ: إذا تَكَلَّمَ بِالظِّهارِ فَقَدْ لَزِمَهُ، وهَذِهِ رِوايَةُ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ عَنْهُ، ورَوى معمر، عَنْ طاوُوسٍ، عَنْ أبِيهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ [المجادلة: ٣]

قالَ: جَعَلَها عَلَيْهِ كَظَهْرِ أُمِّهِ، ثُمَّ يَعُودُ فَيَطَؤُها فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ.

وَحَكى النّاسُ عَنْ مجاهد: أنَّهُ تَجِبُ الكَفّارَةُ بِنَفْسِ الظِّهارِ، وحَكاهُ ابْنُ حَزْمٍ عَنِ الثَّوْرِيِّ، وعُثْمانَ البَتِّيِّ، وهَؤُلاءِ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِمْ أنَّ العَوْدَ شَرْطٌ في الكَفّارَةِ، ولَكِنِ العَوْدُ عِنْدَهم هو العَوْدُ إلى ما كانُوا عَلَيْهِ في الجاهِلِيَّةِ مِنَ التَّظاهُرِ، كَقَوْلِهِ تَعالى في جَزاءِ الصَّيْدِ: ﴿وَمَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾ [المائدة: ٩٥] أيْ عادَ إلى الِاصْطِيادِ بَعْدَ نُزُولِ تَحْرِيمِهِ، ولِهَذا قالَ: ﴿عَفا اللَّهُ عَمّا سَلَفَ﴾

قالُوا: ولِأنَّ الكَفّارَةَ إنَّما وجَبَتْ في مُقابَلَةِ ما تَكَلَّمَ بِهِ مِنَ المُنْكَرِ والزُّورِ، وهو الظِّهارُ دُونَ الوَطْءِ، أوِ العَزْمِ عَلَيْهِ، قالُوا: ولِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَمّا حَرَّمَ الظِّهارَ ونَهى عَنْهُ كانَ العَوْدُ هو فِعْلُ المَنهِيِّ عَنْهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يَرْحَمَكم وإنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ [الإسراء: ٨] أيْ إنْ عُدْتُمْ إلى الذَّنْبِ عُدْنا إلى العُقُوبَةِ؟ فالعَوْدُ هُنا نَفْسُ فِعْلِ المَنهِيِّ عَنْهُ.

قالُوا: ولِأنَّ الظِّهارَ كانَ طَلاقًا في الجاهِلِيَّةِ، فَنُقِلَ حُكْمُهُ مِنَ الطَّلاقِ إلى الظِّهارِ، ورَتَّبَ عَلَيْهِ التَّكْفِيرَ، وتَحْرِيمَ الزَّوْجَةِ حَتّى يُكَفِّرَ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ حُكْمُهُ مُعْتَبَرًا بِلَفْظِهِ كالطَّلاقِ.

وَنازَعَهُمُ الجُمْهُورُ في ذَلِكَ، وقالُوا: إنَّ العَوْدَ أمْرٌ وراءَ مُجَرَّدِ لَفْظِ الظِّهارِ، ولا يَصِحُّ حَمْلُ الآيَةِ عَلى العَوْدِ إلَيْهِ في الإسْلامِ؛ لِثَلاثَةِ أوْجُهٍ:

أحَدُها: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ بَيانٌ لِحُكْمِ مَن يُظاهِرُ في الإسْلامِ، ولِهَذا أتى فِيها بِلَفْظِ الفِعْلِ مُسْتَقْبَلًا، فَقالَ: يُظاهِرُونَ، وإذا كانَ هَذا بَيانًا لِحُكْمِ ظِهارِ الإسْلامِ، فَهو عِنْدَكم نَفْسُ العَوْدِ، فَكَيْفَ يَقُولُ بَعْدَهُ: ثُمَّ يَعُودُونَ، وأنَّ مَعْنى هَذا العَوْدِ غَيْرُ الظِّهارِ عِنْدَكُمْ؟

الثّانِي: أنَّهُ لَوْ كانَ العَوْدُ ما ذَكَرْتُمْ، وكانَ المُضارِعُ بِمَعْنى الماضِي، كانَ تَقْدِيرُهُ: والَّذِينَ ظاهَرُوا مِن نِسائِهِمْ ثُمَّ عادُوا في الإسْلامِ، ولَما وجَبَتِ الكَفّارَةُ إلّا عَلى مَن تَظاهَرَ في الجاهِلِيَّةِ، ثُمَّ عادَ في الإسْلامِ، فَمِن أيْنَ تُوجِبُونَها عَلى مَنِ ابْتَدَأ الظِّهارَ في الإسْلامِ غَيْرَ عائِدٍ؟ فَإنَّ هُنا أمْرَيْنِ:

ظِهارٌ سابِقٌ، وعَوْدٌ إلَيْهِ، وذَلِكَ يُبْطِلُ حُكْمَ الظِّهارِ الآنَ بِالكُلِّيَّةِ، إلّا أنْ تَجْعَلُوا " يُظاهِرُونَ " لِفُرْقَةٍ، ويَعُودُونَ لِفُرْقَةٍ، ولَفْظُ المُضارِعِ نائِبًا عَنْ لَفْظِ الماضِي، وذَلِكَ مُخالِفٌ لِلنَّظْمِ، ومُخْرِجٌ عَنِ الفَصاحَةِ.

الثّالِثُ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أمَرَ أوس بن الصامت، وسلمة بن صخر بِالكَفّارَةِ، ولَمْ يَسْألْهُما: هَلْ تَظاهَرا في الجاهِلِيَّةِ أمْ لا؟ فَإنْ قُلْتُمْ: ولَمْ يَسْألْهُما عَنِ العَوْدِ الَّذِي تَجْعَلُونَهُ شَرْطًا، ولَوْ كانَ شَرْطًا لَسَألَهُما عَنْهُ.

قِيلَ: أمّا مَن يَجْعَلُ العَوْدَ نَفْسَ الإمْساكِ بَعْدَ الظِّهارِ زَمَنًا، يُمْكِنُ وُقُوعُ الطَّلاقِ فِيهِ، فَهَذا جارٍ عَلى قَوْلِهِ وهو نَفْسُ حُجَّتِهِ، ومَن جَعَلَ العَوْدَ هو الوَطْءُ والعَزْمُ، قالَ: سِياقُ القِصَّةِ بَيِّنٌ في أنَّ المُتَظاهِرِينَ كانَ قَصْدُهُمُ الوَطْءَ، وإنَّما أمْسَكُوا لَهُ، وسَيَأْتِي تَقْرِيرُ ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

وَأمّا كَوْنُ الظِّهارِ مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ وزُورًا فَنَعَمْ هو كَذَلِكَ ولَكِنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ إنَّما أوْجَبَ الكَفّارَةَ في هَذا المُنْكَرِ والزُّورِ بِأمْرَيْنِ: بِهِ، وبِالعَوْدِ، كَما أنَّ حُكْمَ الإيلاءِ إنَّما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ وعَلى الوَطْءِ لا عَلى أحَدِهِما.

[فَصْلٌ: قَوْلُ الظّاهِرِيَّةِ بِأنَّ مَعْنى العَوْدِ أيْ إعادَةُ اللَّفْظِ]

وَقالَ الجُمْهُورُ: لا تَجِبُ الكَفّارَةُ إلّا بِالعَوْدِ بَعْدَ الظِّهارِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في مَعْنى العَوْدِ، هَلْ هو إعادَةُ لَفْظِ الظِّهارِ بِعَيْنِهِ، أوْ أمْرٌ وراءَهُ؟ عَلى قَوْلَيْنِ: فَقالَ أهْلُ الظّاهِرِ كُلُّهُمْ: هو إعادَةُ لَفْظِ الظِّهارِ، ولَمْ يَحْكُوا هَذا عَنْ أحَدٍ مِنَ السَّلَفِ ألْبَتَّةَ، وهو قَوْلٌ لَمْ يُسْبَقُوا إلَيْهِ، وإنْ كانَتْ هَذِهِ الشَّكاةُ لا يَكادُ مَذْهَبٌ مِنَ المَذاهِبِ يَخْلُو عَنْها.

قالُوا: فَلَمْ يُوجِبِ اللَّهُ سُبْحانَهُ الكَفّارَةَ إلّا بِالظِّهارِ المُعادِ لا المُبْتَدَأِ. قالُوا: والِاسْتِدْلالُ بِالآيَةِ مِن ثَلاثَةِ وُجُوهٍ

أحَدُها: أنَّ العَرَبَ لا يُعْقَلُ في لُغاتِها العَوْدُ إلى الشَّيْءِ إلّا فِعْلُ مِثْلِهِ مَرَّةً ثانِيَةً، قالُوا: وهَذا كِتابُ اللَّهِ وكَلامُ رَسُولِهِ وكَلامُ العَرَبِ بَيْنَنا وبَيْنَكم. قالَ تَعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]

فَهَذا نَظِيرُ الآيَةِ سَواءٌ في أنَّهُ عَدّى فِعْلَ العَوْدِ بِاللّامِ، وهو إتْيانُهم مَرَّةً ثانِيَةً بِمِثْلِ ما أتَوْا بِهِ أوَّلًا، وقالَ تَعالى: ﴿وَإنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ [الإسراء: ٨] أيْ إنْ كَرَّرْتُمُ الذَّنْبَ كَرَّرْنا العُقُوبَةَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [المجادلة: ٨] وهَذا في سُورَةِ الظِّهارِ نَفْسِها، وهو يُبَيِّنُ المُرادَ مِنَ العَوْدِ فِيهِ، فَإنَّهُ نَظِيرُهُ فِعْلًا وإرادَةً، والعَهْدُ قَرِيبٌ بِذِكْرِهِ.

قالُوا: وأيْضًا، فالَّذِي قالُوهُ: هو لَفْظُ الظِّهارِ، فالعَوْدُ إلى القَوْلِ هو الإتْيانُ بِهِ مَرَّةً ثانِيَةً لا تَعْقِلُ العَرَبُ غَيْرَ هَذا.

قالُوا: وأيْضًا فَما عَدا تَكْرارَ اللَّفْظِ إمّا إمْساكٌ، وإمّا عَزْمٌ، وإمّا فِعْلٌ، ولَيْسَ واحِدٌ مِنها بِقَوْلٍ، فَلا يَكُونُ الإتْيانُ بِهِ عَوْدًا، لا لَفْظًا ولا مَعْنى، ولِأنَّ العَزْمَ والوَطْءَ والإمْساكَ لَيْسَ ظِهارًا، فَيَكُونَ الإتْيانُ بِها عَوْدًا إلى الظِّهارِ.

قالُوا: ولَوْ أُرِيدَ بِالعَوْدِ الرُّجُوعُ في الشَّيْءِ الَّذِي مَنَعَ مِنهُ نَفْسَهُ كَما يُقالُ: عادَ في الهِبَةِ، لَقالَ: ثُمَّ يَعُودُونَ فِيما قالُوا، كَما في الحَدِيثِ: «العائِدُ في هِبَتِهِ، كالعائِدِ في قَيْئِهِ»

واحْتَجَّ أبو محمد ابن حزم بِحَدِيثِ عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّ أوس بن الصامت كانَ بِهِ لَمَمٌ فَكانَ إذا اشْتَدَّ بِهِ لَمَمُهُ ظاهَرَ مِن زَوْجَتِهِ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ فِيهِ كَفّارَةَ الظِّهارِ.

فَقالَ: هَذا يَقْتَضِي التَّكْرارَ، ولا بُدَّ.

قالَ: ولا يَصِحُّ في الظِّهارِ إلّا هَذا الخَبَرُ وحْدَهُ.

قالَ: وأمّا تَشْنِيعُكم عَلَيْنا بِأنَّ هَذا القَوْلَ لَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ، فَأرُونا مِنَ الصَّحابَةِ مَن قالَ: إنَّ العَوْدَ هو الوَطْءُ، أوِ العَزْمُ، أوِ الإمْساكُ، أوْ هو العَوْدُ إلى الظِّهارِ في الجاهِلِيَّةِ، ولَوْ عَنْ رَجُلٍ واحِدٍ مِنَ الصَّحابَةِ، فَلا تَكُونُونَ أسْعَدَ بِأصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنّا أبَدًا.

[فَصْلٌ: رَدُّ الجُمْهُورِ عَلى الظّاهِرِيَّةِ]

وَنازَعَهُمُ الجُمْهُورُ في ذَلِكَ، وقالُوا: لَيْسَ مَعْنى العَوْدِ إعادَةَ اللَّفْظِ الأوَّلِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لَوْ كانَ هو العَوْدَ، لَقالَ: ثُمَّ يُعِيدُونَ ما قالُوا؛ لِأنَّهُ يُقالُ أعادَ كَلامَهُ بِعَيْنِهِ، وأمّا عادَ، فَإنَّما هو في الأفْعالِ، كَما يُقالُ: عادَ في فِعْلِهِ، وفي هِبَتِهِ، فَهَذا اسْتِعْمالُهُ بِ " في ". ويُقالُ عادَ إلى عَمَلِهِ، وإلى وِلايَتِهِ، وإلى حالِهِ، وإلى إحْسانِهِ وإساءَتِهِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، وعادَ لَهُ أيْضًا.

وَأمّا القَوْلُ: فَإنَّما يُقالُ: أعادَهُ كَما «قالَ ضماد بن ثعلبة لِلنَّبِيِّ ﷺ أعِدْ عَلَيَّ كَلِماتِكَ»

وَكَما «قالَ أبو سعيد " أعِدْها عَلَيَّ يا رَسُولَ اللَّهِ»

وَهَذا لَيْسَ بِلازِمٍ فَإنَّهُ يُقالُ: أعادَ مَقالَتَهُ، وعادَ لِمَقالَتِهِ، وفي الحَدِيثِ: (فَعادَ لِمَقالَتِهِ) بِمَعْنى أعادَها، سَواءٌ، وأفْسَدُ مِن هَذا رَدُّ مَن رَدَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّ إعادَةَ القَوْلِ مُحالٌ كَإعادَةِ أمْسِ.

قالَ: لِأنَّهُ لا يَتَهَيَّأُ اجْتِماعُ زَمانَيْنِ وهَذا في غايَةِ الفَسادِ، فَإنَّ إعادَةَ القَوْلِ مِن جِنْسِ إعادَةِ الفِعْلِ، وهي الإتْيانُ بِمِثْلِ الأوَّلِ لا بِعَيْنِهِ، والعَجَبُ مِن مُتَعَصِّبٍ يَقُولُ: لا يُعْتَدُّ بِخِلافِ الظّاهِرِيَّةِ، ويُبْحَثُ مَعَهم بِمِثْلِ هَذِهِ البُحُوثِ، ويُرَدُّ عَلَيْهِمْ بِمِثْلِ هَذا الرَّدِّ، وكَذَلِكَ رَدُّ مَن رَدَّ عَلَيْهِمْ بِمِثْلِ العائِدِ في هِبَتِهِ، فَإنَّهُ لَيْسَ نَظِيرَ الآيَةِ، وإنَّما نَظِيرُها ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [المجادلة: ٨] ومَعَ هَذا فَهَذِهِ الآيَةُ تُبَيِّنُ المُرادَ مِن آيَةِ الظِّهارِ، فَإنَّ عَوْدَهم لِما نُهُوا عَنْهُ هو رُجُوعُهم إلى نَفْسِ المَنهِيِّ عَنْهُ، وهو النَّجْوى، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ إعادَةَ تِلْكَ النَّجْوى بِعَيْنِها، بَلْ رُجُوعُهم إلى المَنهِيِّ عَنْهُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في الظِّهارِ ﴿يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ [المجادلة: ٣] أيْ لِقَوْلِهِمْ. فَهو مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ، وهو تَحْرِيمُ الزَّوْجَةِ بِتَشْبِيهِها بِالمُحَرَّمَةِ، فالعَوْدُ إلى المُحَرَّمِ هو العَوْدُ إلَيْهِ، وهو فِعْلُهُ، فَهَذا مَأْخَذُ مَن قالَ إنَّهُ الوَطْءُ.

وَنُكْتَةُ المَسْألَةِ أنَّ القَوْلَ في مَعْنى المَقُولِ، والمَقُولُ هو التَّحْرِيمُ والعَوْدُ لَهُ هو العَوْدُ إلَيْهِ، وهو اسْتِباحَتُهُ عائِدًا إلَيْهِ بَعْدَ تَحْرِيمِهِ، وهَذا جارٍ عَلى قَواعِدِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ واسْتِعْمالِها، وهَذا الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ السَّلَفِ والخَلَفِ، كَما قالَ قتادة وطاووس والحسن والزُّهْرِيُّ ومالك وغَيْرُهُمْ، ولا يُعْرَفُ عَنْ أحَدٍ مِنَ السَّلَفِ أنَّهُ فَسَّرَ الآيَةَ بِإعادَةِ اللَّفْظِ ألْبَتَّةَ لا مِنَ الصَّحابَةِ، ولا مِنَ التّابِعِينَ، ولا مَن بَعْدَهُمْ، وهاهُنا أمْرٌ خَفِيَ عَلى مَن جَعَلَهُ إعادَةَ اللَّفْظِ، وهو أنَّ العَوْدَ إلى الفِعْلِ يَسْتَلْزِمُ مُفارَقَةَ الحالِ الَّتِي هو عَلَيْها الآنَ، وعَوْدَهُ إلى الحالِ الَّتِي كانَ عَلَيْها أوَّلًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَإنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ [الإسراء: ٨] ألا تَرى أنَّ عَوْدَهم مُفارَقَةُ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الإحْسانِ وعَوْدُهم إلى الإساءَةِ وكَقَوْلِ الشّاعِرِ

وَإنْ عادَ لِلْإحْسانِ فالعَوْدُ أحْمَدُ

والحالُ الَّتِي هو عَلَيْها الآنَ التَّحْرِيمُ بِالظِّهارِ والَّتِي كانَ عَلَيْها إباحَةُ الوَطْءِ بِالنِّكاحِ المُوجِبِ لِلْحِلَّ، فَعَوْدُ المُظاهِرِ عَوْدٌ إلى حِلٍّ كانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الظِّهارِ، وذَلِكَ هو المُوجِبُ لِلْكَفّارَةِ فَتَأمَّلْهُ، فالعَوْدُ يَقْتَضِي أمْرًا يَعُودُ إلَيْهِ بَعْدَ مُفارَقَتِهِ، وظَهَرَ سِرُّ الفَرْقِ بَيْنَ العَوْدِ في الهِبَةِ وبَيْنَ العَوْدِ لِما قالَ المُظاهِرُ، فَإنَّ الهِبَةَ بِمَعْنى المَوْهُوبِ وهو عَيْنٌ يَتَضَمَّنُ عَوْدُهُ فِيهِ إدْخالَهُ في مِلْكِهِ وتَصَرُّفَهُ فِيهِ كَما كانَ أوَّلًا بِخِلافِ المُظاهِرِ فَإنَّهُ بِالتَّحْرِيمِ قَدْ خَرَجَ عَنِ الزَّوْجِيَّةِ، وبِالعَوْدِ قَدْ طَلَبَ الرُّجُوعَ إلى الحالِ الَّتِي كانَ عَلَيْها مَعَها قَبْلَ التَّحْرِيمِ، فَكانَ الألْيَقُ أنْ يُقالَ عادَ لِكَذا يَعْنِي: عادَ إلَيْهِ.

وَفِي الهِبَةِ عادَ إلَيْها، وقَدْ أمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أوس بن الصامت، وسلمة بن صخر، بِكَفّارَةِ الظِّهارِ، ولَمْ يَتَلَفَّظا بِهِ مَرَّتَيْنِ، فَإنَّهُما لَمْ يُخْبِرا بِذَلِكَ عَنْ أنْفُسِهِما، ولا أخْبَرَ بِهِ أزْواجُهُما عَنْهُما، ولا أحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ، ولا سَألَهُما النَّبِيُّ ﷺ، هَلْ قُلْتُما ذَلِكَ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ؟ ومِثْلُ هَذا لَوْ كانَ شَرْطًا لَما أهْمَلَ بَيانَهُ.

وَسِرُّ المَسْألَةِ أنَّ العَوْدَ يَتَضَمَّنُ أمْرَيْنِ: أمْرًا يَعُودُ إلَيْهِ، وأمْرًا يَعُودُ عَنْهُ، ولا بُدَّ مِنهُما، فالَّذِي يَعُودُ عَنْهُ يَتَضَمَّنُ نَقْضَهُ وإبْطالَهُ، والَّذِي يَعُودُ إلَيْهِ يَتَضَمَّنُ إيثارَهُ وإرادَتَهُ، فَعَوْدُ المُظاهِرِ يَقْتَضِي نَقْضَ الظِّهارِ وإبْطالَهُ، وإيثارَ ضِدِّهِ وإرادَتَهُ، وهَذا عَيْنُ فَهْمِ السَّلَفِ مِنَ الآيَةِ، فَبَعْضُهم يَقُولُ: إنَّ العَوْدَ هو الإصابَةُ، وبَعْضُهم يَقُولُ: الوَطْءُ، وبَعْضُهم يَقُولُ: اللَّمْسُ، وبَعْضُهم يَقُولُ: العَزْمُ.

وَأمّا قَوْلُكُمْ: إنَّهُ إنَّما أوْجَبَ الكَفّارَةَ في الظِّهارِ المُعادِ إنْ أرَدْتُمْ بِهِ المُعادَ لَفْظُهُ، فَدَعْوى بِحَسَبِ ما فَهِمْتُمُوهُ، وإنْ أرَدْتُمْ بِهِ الظِّهارَ المُعادَ فِيهِ لِما قالَ المُظاهِرُ، لَمْ يَسْتَلْزِمْ ذَلِكَ إعادَةَ اللَّفْظِ الأوَّلِ.

وَأمّا حَدِيثُ عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها في ظِهارِ أوس بن الصامت، فَما أصَحَّهُ، وما أبْعَدَ دَلالَتُهُ عَلى مَذْهَبِكم.

[فَصْلٌ: مَن عَجَزَ عَنِ الكَفّارَةِ لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ]

وَمِنها: أنَّ مَن عَجَزَ عَنِ الكَفّارَةِ لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ، فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ أعانَ أوس بن الصامت بِعَرَقٍ مَن تَمْرٍ، وأعانَتْهُ امْرَأتُهُ بِمِثْلِهِ حَتّى كَفَّرَ، وأمَرَ سلمة بن صخر أنْ يَأْخُذَ صَدَقَةَ قَوْمِهِ فَيُكَفِّرَ بِها عَنْ نَفْسِهِ، ولَوْ سَقَطَتْ بِالعَجْزِ لَما أمَرَهُما بِإخْراجِها، بَلْ تَبْقى في ذِمَّتِهِ دَيْنًا عَلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ الشّافِعِيِّ، وأحَدُ الرِّوايَتَيْنِ عَنْ أحمد.

وَذَهَبَتْ طائِفَةٌ إلى سُقُوطِها بِالعَجْزِ كَما تَسْقُطُ الواجِباتُ بِعَجْزِهِ عَنْها، وعَنْ إبْدالِها.

وَذَهَبَتْ طائِفَةٌ أنَّ كَفّارَةَ رَمَضانَ لا تَبْقى في ذِمَّتِهِ، بَلْ تَسْقُطُ، وغَيْرَها مِنَ الكَفّاراتِ لا تَسْقُطُ، وهَذا الَّذِي صَحَّحَهُ أبُو البَرَكاتِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ.

واحْتَجَّ مَن أسْقَطَها بِأنَّها لَوْ وجَبَتْ مَعَ العَجْزِ لَما صُرِفَتْ إلَيْهِ، فَإنَّ الرَّجُلَ لا يَكُونُ مَصْرِفًا لِكَفّارَتِهِ، كَما لا يَكُونُ مَصْرِفًا لِزَكاتِهِ، وأرْبابُ القَوْلِ الأوَّلِ يَقُولُونَ إذا عَجَزَ عَنْها، وكَفَّرَ الغَيْرُ عَنْهُ، جازَ أنْ يَصْرِفَها إلَيْهِ، كَما صَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ كَفّارَةَ مَن جامَعَ في رَمَضانَ إلَيْهِ وإلى أهْلِهِ، وكَما أباحَ لسلمة بن صخر أنْ يَأْكُلَ هو وأهْلُهُ مِن كَفّارَتِهِ الَّتِي أخْرَجَها عَنْهُ مِن صَدَقَةِ قَوْمِهِ، وهَذا مَذْهَبُ أحمد، رِوايَةً واحِدَةً عَنْهُ في كَفّارَةِ مَن وطِئَ أهْلَهُ في رَمَضانَ، وعَنْهُ في سائِرِ الكَفّاراتِ رِوايَتانِ. والسُّنَّةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ إذا أعْسَرَ بِالكَفّارَةِ وكَفَّرَ عَنْهُ غَيْرُهُ جازَ صَرْفُ كَفّارَتِهِ إلَيْهِ وإلى أهْلِهِ.

فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ إذا كانَ فَقِيرًا لَهُ عِيالٌ وعَلَيْهِ زَكاةٌ يَحْتاجُ إلَيْها أنْ يَصْرِفَها إلى نَفْسِهِ وعِيالِهِ؟ قِيلَ لا يَجُوزُ ذَلِكَ، لِعَدَمِ الإخْراجِ المُسْتَحَقِّ عَلَيْهِ، ولَكِنْ لِلْإمامِ أوِ السّاعِي أنْ يَدْفَعَ زَكاتَهُ إلَيْهِ بَعْدَ قَبْضِها مِنهُ في أصَحِّ الرِّوايَتَيْنِ عَنْ أحمد. فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ لَهُ أنْ يُسْقِطَها عَنْهُ؟ قِيلَ لا نَصَّ عَلَيْهِ، والفَرْقُ بَيْنَهُما واضِحٌ. فَإنْ قِيلَ: فَإذا أذِنَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ في التَّكْفِيرِ بِالعِتْقِ فَهَلْ لَهُ أنْ يُعْتِقَ نَفْسَهُ؟

قِيلَ: اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ فِيما إذا أذِنَ لَهُ في التَّكْفِيرِ بِالمالِ، هَلْ لَهُ أنْ يَنْتَقِلَ عَنِ الصِّيامِ إلَيْهِ؟ عَلى رِوايَتَيْنِ:

إحْداهُما: أنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وفَرْضُهُ الصِّيامُ، والثّانِيَةُ لَهُ الِانْتِقالُ إلَيْهِ، ولا يَلْزَمُهُ لِأنَّ المَنعَ لِحَقِّ السَّيِّدِ وقَدْ أذِنَ فِيهِ، فَإذا قُلْنا: لَهُ ذَلِكَ فَهَلْ لَهُ العِتْقُ؟

اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ فِيهِ عَنْ أحْمَدَ فَعَنْهُ في ذَلِكَ رِوايَتانِ، ووَجْهُ المَنعِ أنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِ الوَلاءِ، والعِتْقُ يَعْتَمِدُ الوَلاءَ، واخْتارَ أبُو بَكْرٍ وغَيْرُهُ أنَّ لَهُ الإعْتاقَ، فَعَلى هَذا هَلْ لَهُ عِتْقُ نَفْسِهِ؟

فِيهِ قَوْلانِ في المَذْهَبِ، ووَجْهُ الجَوازِ إطْلاقُ الإذْنِ، ووَجْهُ المَنعِ أنَّ الإذْنَ في الإعْتاقِ يَنْصَرِفُ إلى إعْتاقِ غَيْرِهِ، كَما لَوْ أذِنَ لَهُ في الصَّدَقَةِ انْصَرَفَ الإذْنُ إلى الصَّدَقَةِ عَلى غَيْرِهِ.

[فَصْلٌ: لا يَجُوزُ وطْءُ المُظاهَرِ مِنها قَبْلَ التَّكْفِيرِ]

وَمِنها: أنَّهُ لا يَجُوزُ وطْءُ المُظاهَرِ مِنها قَبْلَ التَّكْفِيرِ، وقَدِ اخْتُلِفَ هاهُنا في مَوْضِعَيْنِ. أحَدُهُما: هَلْ لَهُ مُباشَرَتُها دُونَ الفَرْجِ قَبْلَ التَّكْفِيرِ أمْ لا؟ والثّانِي: أنَّهُ إذا كانَتْ كَفّارَتُهُ الإطْعامَ فَهَلْ لَهُ الوَطْءُ قَبْلَهُ أمْ لا؟ وفي المَسْألَتَيْنِ قَوْلانِ لِلْفُقَهاءِ، وهُما رِوايَتانِ عَنْ أحمد، وقَوْلانِ لِلشّافِعِيِّ.

وَوَجْهُ مَنعِ الِاسْتِمْتاعِ بِغَيْرِ الوَطْءِ ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ [المجادلة: ٣]؛ ولِأنَّهُ شَبَّهَها بِمَن يَحْرُمُ وطْؤُها، ودَواعِيهِ، ووَجْهُ الجَوازِ أنَّ التَّماسَّ كِنايَةٌ عَنِ الجِماعِ، ولا يَلْزَمُ مِن تَحْرِيمِ الجِماعِ تَحْرِيمُ دَواعِيهِ، فَإنَّ الحائِضَ يَحْرُمُ جِماعُها دُونَ دَواعِيهِ، والصّائِمَ يَحْرُمُ مِنهُ الوَطْءُ دُونَ دَواعِيهِ، والمَسْبِيَّةَ يَحْرُمُ وطْؤُها دُونَ دَواعِيهِ، وهَذا قَوْلُ أبي حنيفة.

وَأمّا المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: وهي وطْؤُها قَبْلَ التَّكْفِيرِ: إذا كانَ بِالإطْعامِ، فَوَجْهُ الجَوازِ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قَيَّدَ التَّكْفِيرَ بِكَوْنِهِ قَبْلَ المَسِيسِ في العِتْقِ والصِّيامِ، وأطْلَقَهُ في الإطْعامِ، ولِكُلٍّ مِنهُما حِكْمَةٌ، فَلَوْ أرادَ التَّقْيِيدَ في الإطْعامِ لَذَكَرَهُ كَما ذَكَرَهُ في العِتْقِ والصِّيامِ، وهو سُبْحانَهُ لَمْ يُقَيِّدْ هَذا ويُطْلِقْ هَذا عَبَثًا بَلْ لِفائِدَةٍ مَقْصُودَةٍ، ولا فائِدَةَ إلّا تَقْيِيدُ ما قَيَّدَهُ وإطْلاقُ ما أطْلَقَهُ. ووَجْهُ المَنعِ اسْتِفادَةُ حُكْمِ ما أطْلَقَهُ مِمّا قَيَّدَهُ، إمّا بَيانًا عَلى الصَّحِيحِ، وإمّا قِياسًا، قَدْ أُلْغِيَ فِيهِ الفارِقُ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ، وهو سُبْحانُهُ لا يُفَرِّقُ بَيْنَ المُتَماثِلَيْنِ، وقَدْ ذَكَرَ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ مَرَّتَيْنِ، فَلَوْ أعادَهُ ثالِثًا لَطالَ بِهِ الكَلامُ، ونَبَّهَ بِذِكْرِهِ مَرَّتَيْنِ عَلى تَكَرُّرِ حُكْمِهِ في الكَفّاراتِ، ولَوْ ذَكَرَهُ في آخِرِ الكَلامِ مَرَّةً واحِدَةً، لَأوْهَمَ اخْتِصاصَهُ بِالكَفّارَةِ الأخِيرَةِ، ولَوْ ذَكَرَهُ في أوَّلِ مَرَّةٍ لَأوْهَمَ اخْتِصاصَهُ بِالأُولى، وإعادَتُهُ في كُلِّ كَفّارَةٍ تَطْوِيلٌ، وكانَ أفْصَحَ الكَلامِ وأبْلَغَهُ وأوْجَزَهُ ما وقَعَ. وأيْضًا فَإنَّهُ نَبَّهَ بِالتَّكْفِيرِ قَبْلَ المَسِيسِ بِالصَّوْمِ، مَعَ تَطاوُلِ زَمَنِهِ وشِدَّةِ الحاجَةِ إلى مَسِيسِ الزَّوْجَةِ عَلى أنَّ اشْتِراطَ تَقَدُّمِهِ في الإطْعامِ الَّذِي لا يَطُولُ زَمَنُهُ أوْلى.

[فَصْلٌ: لا تُدْفَعُ الكَفّارَةُ إلّا إلى المَساكِينِ ويَدْخُلُ فِيهِمُ الفُقَراءُ]

وَمِنها: أنَّهُ لا يُجْزِئُهُ دَفْعُ الكَفّارَةِ إلّا إلى المَساكِينِ ويَدْخُلُ فِيهِمُ الفُقَراءُ كَما يَدْخُلُ المَساكِينُ في لَفْظِ الفُقَراءِ عِنْدَ الإطْلاقِ، وعَمَّمَ أصْحابُنا وغَيْرُهُمُ الحُكْمَ في كُلِّ مَن يَأْخُذُ مِنَ الزَّكاةِ لِحاجَتِهِ وهم أرْبَعَةٌ:

الفُقَراءُ والمَساكِينُ وابْنُ السَّبِيلِ والغارِمُ لِمَصْلَحَتِهِ والمُكاتَبُ. وظاهِرُ القُرْآنِ اخْتِصاصُها بِالمَساكِينِ فَلا يَتَعَدّاهم.

[فَصْلٌ: لا تَسْقُطُ الكَفّارَةُ بِالوَطْءِ قَبْلَ التَّكْفِيرِ ولا تَتَضاعَفُ]

وَمِنها: أنَّ الكَفّارَةَ لا تَسْقُطُ بِالوَطْءِ قَبْلَ التَّكْفِيرِ، ولا تَتَضاعَفُ، بَلْ هِيَ

بِحالِها كَفّارَةٌ واحِدَةٌ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ حُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي تَقَدَّمَ، قالَ الصلت بن دينار: سَألْتُ عَشْرَةً مِنَ الفُقَهاءِ عَنِ المُظاهِرِ يُجامِعُ قَبْلَ أنْ يُكَفِّرَ، فَقالُوا: كَفّارَةٌ واحِدَةٌ. قالَ: وهُمُ الحسن، وابْنُ سِيرِينَ، ومسروق، وبكر، وقتادة، وعطاء، وطاووس، ومجاهد، وعكرمة.

قالَ: والعاشِرُ أُراهُ نافِعًا، وهَذا قَوْلُ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ.

وَصَحَّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وعَمْرِو بْنِ العاصِ، أنَّ عَلَيْهِ كَفّارَتَيْنِ، وذَكَرَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، عَنِ الحسن، وإبراهيم، في الَّذِي يُظاهِرُ ثُمَّ يَطَؤُها قَبْلَ أنْ يُكَفِّرَ: عَلَيْهِ ثَلاثُ كَفّاراتٍ.

وَذَكَرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وأبي يوسف أنَّ الكَفّارَةَ تَسْقُطُ.

وَوَجْهُ هَذا أنَّهُ فاتَ وقْتُها، ولَمْ يَبْقَ لَهُ سَبِيلٌ إلى إخْراجِها قَبْلَ المَسِيسِ.

وَجَوابُ هَذا أنَّ فَواتَ وقْتِ الأداءِ لا يُسْقِطُ الواجِبَ في الذِّمَّةِ، كالصَّلاةِ، والصِّيامِ، وسائِرِ العِباداتِ، ووَجْهُ وُجُوبِ الكَفّارَتَيْنِ، أنَّ إحْداهُما لِلظِّهارِ الَّذِي اقْتَرَنَ بِهِ العَوْدُ، والثّانِيَةَ لِلْوَطْءِ المُحَرَّمِ كالوَطْءِ في نَهارِ رَمَضانَ، وكَوَطْءِ المُحْرِمِ، ولا يُعْلَمُ لِإيجابِ الثَّلاثِ وجْهٌ، إلّا أنْ يَكُونَ عُقُوبَةً عَلى إقْدامِهِ عَلى الحَرامِ، وحُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَدُلُّ عَلى خِلافِ هَذِهِ الأقْوالِ، واللَّهُ أعْلَمُ.