Tafsir Ibn Al-Qayyim

Multiple Ayahs

Tags

Download Links

Tafsir Ibn Al-Qayyim tafsir for Surah Al-Hashr — Ayah 2

هُوَ ٱلَّذِيٓ أَخۡرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مِن دِيَٰرِهِمۡ لِأَوَّلِ ٱلۡحَشۡرِۚ مَا ظَنَنتُمۡ أَن يَخۡرُجُواْۖ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمۡ حُصُونُهُم مِّنَ ٱللَّهِ فَأَتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِنۡ حَيۡثُ لَمۡ يَحۡتَسِبُواْۖ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعۡبَۚ يُخۡرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيۡدِيهِمۡ وَأَيۡدِي ٱلۡمُؤۡمِنِينَ فَٱعۡتَبِرُواْ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ ٢

[فصل: في نَقْضُ بَنِي النَّضِيرِ العَهْدَ]

ثُمَّ نَقَضَ العَهْدَ بَنُو النَّضِيرِ، قالَ البُخارِيُّ: وكانَ ذَلِكَ بَعْدَ بَدْرٍ بِسِتَّةِ أشْهُرٍ، قالَهُ عروة وسَبَبُ ذَلِكَ أنَّهُ ﷺ خَرَجَ إلَيْهِمْ في نَفَرٍ مِن أصْحابِهِ، وكَلَّمَهم أنْ يُعِينُوهُ في دِيَةِ الكِلابِيَّيْنِ اللَّذَيْنِ قَتَلَهُما عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ، فَقالُوا: نَفْعَلُ يا أبا

القاسِمِ، اجْلِسْ هاهُنا حَتّى نَقْضِيَ حاجَتَكَ، وخَلا بَعْضُهم بِبَعْضٍ، وسَوَّلَ لَهُمُ الشَّيْطانُ الشَّقاءَ الَّذِي كُتِبَ عَلَيْهِمْ، فَتَآمَرُوا بِقَتْلِهِ ﷺ، وقالُوا: أيُّكم يَأْخُذُ هَذِهِ الرَّحا ويَصْعَدُ، فَيُلْقِيها عَلى رَأْسِهِ يَشْدَخُهُ بِها؟ فَقالَ: أشْقاهم عمرو بن جحاش: أنا، فَقالَ: لَهم سلام بن مشكم: لا تَفْعَلُوا فَواللَّهِ لَيُخْبَرَنَّ بِما هَمَمْتُمْ بِهِ، وإنَّهُ لَنَقْضُ العَهْدِ الَّذِي بَيْنَنا وبَيْنَهُ، وجاءَ الوَحْيُ عَلى الفَوْرِ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ تَبارَكَ وتَعالى بِما هَمُّوا بِهِ، فَنَهَضَ مُسْرِعًا، وتَوَجَّهَ إلى المَدِينَةِ، ولَحِقَهُ أصْحابُهُ، فَقالُوا: نَهَضْتَ ولَمْ نَشْعُرْ بِكَ، فَأخْبَرَهم بِما هَمَّتْ يَهُودُ بِهِ، وبَعَثَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنِ اخْرُجُوا مِنَ المَدِينَةِ، ولا تُساكِنُونِي بِها، وقَدْ أجَّلْتُكم عَشْرًا، فَمَن وجَدْتُ بَعْدَ ذَلِكَ بِها، ضَرَبْتُ عُنُقَهُ، فَأقامُوا أيّامًا يَتَجَهَّزُونَ، وأرْسَلَ إلَيْهِمُ المُنافِقُ عبد الله بن أبي: أنْ لا تَخْرُجُوا مِن دِيارِكُمْ، فَإنَّ مَعِيَ ألْفَيْنِ يَدْخُلُونَ مَعَكم حِصْنَكُمْ، فَيَمُوتُونَ دُونَكُمْ، وتَنْصُرُكم قُرَيْظَةُ وحُلَفاؤُكم مِن غَطَفانَ، وطَمِعَ رَئِيسُهم حيي بن أخطب فِيما قالَ لَهُ، وبَعَثَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إنّا لا نَخْرُجُ مِن دِيارِنا، فاصْنَعْ ما بَدا لَكَ، فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ، ونَهَضُوا إلَيْهِ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ يَحْمِلُ اللِّواءَ، فَلَمّا انْتَهى إلَيْهِمْ، قامُوا عَلى حُصُونِهِمْ يَرْمُونَ بِالنَّبْلِ والحِجارَةِ، واعْتَزَلَتْهم قُرَيْظَةُ، وخانَهُمُ ابن أبي وحُلَفاؤُهم مِن غَطَفانَ، ولِهَذا شَبَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى قِصَّتَهُمْ، وجَعَلَ مَثَلَهم ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إذْ قالَ لِلْإنْسانِ اكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكَ﴾ [الحشر: ١٦]،

فَإنَّ سُورَةَ الحَشْرِ هي سُورَةُ بَنِي النَّضِيرِ، وفِيها مَبْدَأُ قِصَّتِهِمْ ونِهايَتُها

فَحاصَرَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وقَطَعَ نَخْلَهم وحُرِّقَ، فَأرْسَلُوا إلَيْهِ: نَحْنُ نَخْرُجُ عَنِ المَدِينَةِ، فَأنْزَلَهم عَلى أنْ يَخْرُجُوا عَنْها بِنُفُوسِهِمْ وذَرارِيِّهِمْ، وأنَّ لَهم ما حَمَلَتِ الإبِلُ إلّا السِّلاحَ، وقَبَضَ النَّبِيُّ ﷺ الأمْوالَ

والحَلْقَةَ، وهي السِّلاحُ، وكانَتْ بَنُو النَّضِيرِ خالِصَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِنَوائِبِهِ ومَصالِحِ المُسْلِمِينَ، ولَمْ يُخَمِّسْها لِأنَّ اللَّهَ أفاءَها عَلَيْهِ، ولَمْ يُوجِفِ المُسْلِمُونَ عَلَيْها بِخَيْلٍ ولا رِكابٍ. وخَمَّسَ قُرَيْظَةَ.

قالَ مالك: خَمَّسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُرَيْظَةَ، ولَمْ يُخَمِّسْ بَنِي النَّضِيرِ، لِأنَّ المُسْلِمِينَ لَمْ يُوجِفُوا بِخَيْلِهِمْ ولا رِكابِهِمْ عَلى بَنِي النَّضِيرِ، كَما أوْجَفُوا عَلى قُرَيْظَةَ وأجْلاهم إلى خَيْبَرَ، وفِيهِمْ حيي بن أخطب كَبِيرُهُمْ، وقَبَضَ السِّلاحَ، واسْتَوْلى عَلى أرْضِهِمْ ودِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ، فَوَجَدَ مِنَ السِّلاحِ خَمْسِينَ دِرْعًا، وخَمْسِينَ بَيْضَةً، وثَلاثَمِائَةٍ وأرْبَعِينَ سَيْفًا، وقالَ: «هَؤُلاءِ في قَوْمِهِمْ بِمَنزِلَةِ بَنِي المُغِيرَةِ في قُرَيْشٍ» وكانَتْ قِصَّتُهم في رَبِيعٍ الأوَّلِ سَنَةَ أرْبَعٍ مِنَ الهِجْرَةِ.