You are reading tafsir of 2 ayahs: 83:27 to 83:28.
التسنيم: أعلى أشربه الجنة، فأخبر سبحانه أن مزاج شراب الأبرار من التسنيم، وأن المقربين يشربون منه بلا مزاج، ولهذا قال: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبون﴾، كما قال تعالى في سورة الإنسان سواءً.
قال ابن عباس وغيره: يشرب بها المقربون صرفًا، ويمزج لأصحاب اليمين مزجًا.
وهذا لأن الجزاءَ وفاق العمل، فكما خلصت أعمال المقربين كلها لله خلص شرابهم، وكما مزج الأبرار الطاعات بالمباحات مزج لهم شرابهم، فمن أخلص أخلص شرابه ومن مزج مزج شرابه.
؎يا لاهيًا في غمرة الجهل والهوي ∗∗∗ صريعًا على فرش الردى يتقلب
؎تأمل - هداك الله ما ثم وانتبه ∗∗∗ فهذا شراب القوم حقًا يركَّب
؎وتركيبه في هذه الدار إن تفت ∗∗∗ فليس له بعد المنية مطلب
؎فيا عجبًا من معرض عن حياته ∗∗∗ وعن حظه العالي ويلهو ويلعب
؎ولو علم المحروم أي بضاعة ∗∗∗ أضاع لأمسى قلبه يتلهب
؎فإن كان لا يدرى فتلك مصيبة ∗∗∗ وإن كان يدرى فالمصيبة أصعب
؎بلي سوف يدرى حين ينكشف الغطا ∗∗∗ ويصبح مسلوبًا ينوح ويندب
؎ويعجب ممن باع شيئًا بدون ما ∗∗∗ يساوى بلا علم وأمرك أعجب
؎لأنك قد بعت الحياة وطيبها ∗∗∗ بلذة حلم عن قليل سيذهب
؎فهلا عكست الأمر إن كنت حازمًا ∗∗∗ ولكن أضعت الحزم والحكم يغلب
؎تصدُّ وتنأى عن حبيبك دائمًا ∗∗∗ فأين عن الأحباب ويحك تذهب
؎ستعلم يوم الحشر أي تجارة ∗∗∗ أضعت إذا تلك الموازين تنصب
قال في سورة المطففين في شراب الأبرار: ﴿وَمِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ عَيْنًا يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ﴾
وقال: ﴿يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ﴾ ولم يقل: (منها) إشعارًا بأن شربهم بالعين نفسها خالصة لا بها وبغيرها.
فضمن (يشرب) معنى (يروى) فعدَّي بالباءَ، وهذا ألطف مأْخذًا وأحسن معنى من أن يجعل الباء بمعنى (مِن) ولكن يضمن (يشرب) الفعل معنى فعل آخر، فيتعدى تعديته، وهذه طريقة الحذاق من النحاة وهي طريقة سيبويه وأئمة أصحابه.
وقال في الأبرار: ﴿يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ [الإنسان: ٥] لأن شرب المقربين لما كان أكمل استعير له الباءُ الدالة على شرب الري بالعين خالصة ودلالة القرآن ألطف وأبلغ من أن يحيط بها البَشر.