Tafsir Ibn Al-Qayyim

Multiple Ayahs

Tags

Download Links

Tafsir Ibn Al-Qayyim tafsir for Surah Al-Buruj — Ayah 1

وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلۡبُرُوجِ ١

(فصل)

ومن ذلك إقسامه سبحانه ﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ التي تنزلها الشمس والقمر وفسرت بالنجوم أو نوع منها وفسرت بالقصور العظام وكل ذلك من آيات قدرته وشواهد وحدانيته فإن السماء كرة متشابهة الأجزاء والشكل الكرى لا يتميز منه جانب عن جانب بطول ولا قصر ولا وضع بل هو متساوي الجوانب فجعل هذه البروج في هذه الكرى على اختلاف صورها وأشكالها ومقاديرها يستحيل أن توجد بغير فاعل ويستحيل أن يكون فاعلها غير قادر ولا عالم ولا مريد ولا حي ولا حكيم ولا مباين للمفعول وهذا ونحوه مما هدم قواعد الطبائعية والملاحدة والفلاسفة الذين لا يثبتون للعالم ربا بائنًا قادرًا فاعلًا بالاختيار عالمًا بتفاصيله حكيمًا مدبرًا له

فبروج السماء هي منازلها أو منازل السيارة التي فيها من أعظم آياته سبحانه فلهذا أقسم بها مع السماء ثم أقسم باليوم الموعود وهو يوم القيامة وهو المقسم به وعليه كما أن القرآن يقسم به وعليه ودال على وقوع اليوم الموعود باتفاق جميع الرسل عليه وبما عرفه عباده من حكمته وعزته التي تأبى أن يتركهم سدى ويخلقهم عبثًا وبغير ذلك من الآيات والبراهين التي يستدل بها سبحانه على إمكانة تارة وعلى وقوعه تارة وعلى تنزيهه عما يقول أعداؤه من أنه لا يأتي به تارة فالإقسام به عند من آمن بالله كالإقسام بالسماء وغيرها من الموجودات المشاهدة بالعيان

ثم أقسم سبحانه بالشاهد والمشهود مطلقين غير معينين وأعم المعاني فيه أنه المدرك والمدرك والعالم والمعلوم والرائي والمرئي وهذا أليق المعاني به وما عداه من الأقوال ذكرت على وجه التمثيل لا على وجه التخصيص

فإن قيل فما واجه الارتباط بين هذه الأمور الثلاثة المقسم بها قيل هي بحمد الله في غاية الارتباط والإقسام بها متناول لكل موجود في الدنيا والآخرة وكل منها آية مستقلة دالة على ربوبيته وإلهيته فأقسم بالعالم العلوي وهي السماء وما فيها من البروج التي هي أعظم الأمكنة وأوسعها ثم أقسم بأعظم الأيام وأجلها قدرًا الذي هو مظهر ملكه وأمره ونهيه وثوابه وعقابه ومجمع أوليائه وأعدائه والحكم بينهم بعلمه وعدله ثم أقسم بما هو أعم من ذلك كله وهو الشاهد والمشهود وناسب هذا القسم ذكر أصحاب الأخدود الذين عذبوا أولياءه وهم شهود على ما يفعلون بهم والملائكة شهود عليهم بذلك والأنبياء وجوارحهم تشهد به عليهم وأيضًا فالشاهد هو المطلع والرقيب والمخبر والمشهود وهو المطلع عليه المخبر به المشاهد

فمن نوع الخليقة إلى شاهد ومشهود وهو أقدر القادرين كما نوعها إلى مرئي لنا وغير مرئي كما قال ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ وما لا تُبْصِرُونَ﴾ كما نوعها إلى أرض وسماء وليل ونهار وذكر وأنثى وهذا التنويع والاختلاف من آياته سبحانه كذلك نوعها إلى شاهد ومشهود

وفيه سر آخر وهو أن من المخلوقات ما هو مشهود عليه ولا يتم نظام العالم إلا بذلك فكيف يكون المخلوق شاهدا رقيبا حفيظا على غيره ولا يكون الخالق تبارك وتعالى شاهدًا على عباده مطلعًا عليهم رقيبًا

وأيضًا فإن ذلك يتضمن القسم بملائكته وأنبيائه ورسله فإنهم شاهدون على العباد فيكون من باب اتحاد المقسم به والمقسم عليه كما أقسم باليوم الموعود وهو المقسم به وعليه وأيضا فيوم القيامة مشهود كما قال تعالى ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ يشهده الله وملائكته والإنس والجن والوحش من آياته والمشهود من آياته

وأيضًا فكلامه مشهود كما قال تعالى ﴿وَقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار فالمشهود من أعظم آياته وكذلك الشاهد فكل ما وقع عليه اسم شاهد ومشهود فهو داخل في هذا القسم فلا وجه لتخصيصه ببعض الأنواع أو الأعيان إلا على سبيل التمثيل

وأيضًا فكتاب الأبرار في عليين يشهده المقربون فالكتاب مشهود والمقربون شاهدون

والأحسن أن يكون هذا القسم مستغنيًا عن الجواب لأن القصة التنبيه على المقسم به وأنه من آيات الرب العظيمة ويبعد أن يكون الجواب ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ الذين فتنوا أولياءه وعذبوهم بالنار ذات الوقود.

ثم وصف حالهم القبيحة بأنهم قعود على جانب الأخدود شاهدين ما يجري على عباد الله تعالى وأوليائه عيانًا ولا تأخذهم بهم رأفة ولا رحمة، ولا يعيبون عليهم دينًا سوى إيمانهم بالله العزيز الحميد الذي له ملك السماوات والأرض.

وهذا الوصف يقتضي إكرامهم وتعظيمهم ومحبتهم فعاملوهم بضد ما يقتضي أن يعاملوا به، وهذا شأن أعداء الله دائمًا ينقمون على أوليائه ما ينبغي أن يحبوا ويكرموا لأجله كما قال تعالى ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ مِن قَبْلُ وأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُون﴾

وكذلك اللوطية نقموا من عباد الله تنزيههم عن مثل فعلهم فقالوا ﴿أخْرِجُوهم مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾

وكذلك أهل الإشراك ينقمون من الموحدين تجريدهم التوحيد وإخلاص الدعوة والعبودية لله وحده وكذلك أهل البدع ينقمون من أهل السنة تجريد متابعتها وترك ما خالفها وكذلك المعطلة ينقمون من أهل الإثبات إثباتهم لله صفات كماله ونعوت جلاله وكذلك الرافضة ينقمون على أهل السنة محبتهم للصحابة جميعهم وترضيهم عنهم وولايتهم إياهم وتقديم من قدمه رسول الله منهم وتنزيلهم منازلهم التي أنزلهم الله ورسوله بها وكذلك أهل الرأي المحدث ينقمون على أهل الحديث وحزب الرسول أخذهم بحديثه وتركهم ما خالفه وكل هؤلاء لهم نصيب وفيهم شبه من أصحاب الأخدود وبينهم وبينهم نسب قريب أو بعيد.