Tafsir Al-Alusi

Multiple Ayahs

Tags

Download Links

Tafsir Al-Alusi tafsir for Surah Al-Insan — Ayah 13

مُّتَّكِـِٔينَ فِيهَا عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِۖ لَا يَرَوۡنَ فِيهَا شَمۡسٗا وَلَا زَمۡهَرِيرٗا ١٣

﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ﴾ حالٌ مِن هم في جَزاهم والعامِلُ جَزى وخُصَّ الجَزاءُ بِهَذِهِ الحالَةِ لِأنَّها أتَمُّ حالاتِ المُتَنَعِّمِ ولا يَضُرُّ في ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿بِما صَبَرُوا﴾ لِأنَّ الصَّبْرَ في الدُّنْيا وما تُسُبِّبَ عَلَيْهِ في الآخِرَةِ وقِيلَ صِفَةُ الجَنَّةِ ولَمْ يَبْرُزِ الضَّمِيرُ مَعَ أنَّ الصِّفَةَ جارِيَةٌ عَلى غَيْرِ مَن هي عَلَيْهِ فَلَمْ يَقْلْ مُتَّكِئِينَ هم فِيها لِعَدَمِ الإلْباسِ كَما في قَوْلِهِ:

قَوْمِي ذُرى المَجْدِ بانُوها وقَدْ عَلِمَتْ بِكُنْهِ ذَلِكَ عَدْنانُ وقَحْطانُ

وأنْتَ تَعْلَمُ هَذا رَأْيُ الكُوفِيَّةِ ومَذْهَبُ البَصْرِيَّةِ وُجُوبُ إبْرازِ الضَّمِيرِ في ذَلِكَ مُطْلَقًا وفي البَيْتِ كَلامٌ وقِيلَ يَجُوزُ كَوْنُهُ حالًا مُقَدَّرَةً مِن ضَمِيرِ ﴿صَبَرُوا﴾ ولَيْسَ بِذاكَ ( والأرائِكِ ) جَمْعُ أرِيكَةٍ وهي السَّرِيرُ في الحَجْلَةِ مِن دُونِهِ سَتْرٌ ولا يُسَمّى مُفْرَدًا أرِيكَةً وقِيلَ هو كُلُّ ما اتُّكِئَ عَلَيْهِ مِن سَرِيرٍ أوْ فِراشٍ أوْ مِنَصَّةٍ وكانَ تَسْمِيَتُهُ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ مَكانًا لِلْإقامَةِ أخْذًا مِن قَوْلِهِمْ أرَكَ بِالمَكانِ أُرُوكًا أقامَ، وأصْلُ الأُرُوكِ الإقامَةُ عَلى رَعْيِ الأراكِ الشَّجَرِ المَعْرُوفِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في غَيْرِهِ مِنَ الإقاماتِ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا ولا زَمْهَرِيرًا﴾ إمّا حالٌ ثانِيَةٌ مِنَ الضَّمِيرِ أوْ حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ وجُوِّزَ فِيهِ كَوْنُهُ صِفَةً لِجَنَّةٍ أيْضًا والمُرادُ مِن ذَلِكَ أنَّ هَواءَها مُعْتَدِلٌ لا حَرَّ شَمْسٍ يَحْمِي ولا شِدَّةَ بَرْدٍ يُؤْذِي. وفي الحَدِيثِ: «هَواءُ الجَنَّةِ سَجْسَجُ لا حَرَّ ولا قَرَّ» فَقَصَدَ بِنَفْيٍ الشَّمْسِ نَفْيَها ونَفْيَ لازِمِها مَعًا لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ولا زَمْهَرِيرًا﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ لا يَرَوْنَ فِيها حَرًّا ولا قَرّا.

وقِيلَ الزَّمْهَرِيرُ القَمَرُ وعَنْ ثَعْلَبٍ أنَّهُ في لُغَةِ طَيِّئٍ وأنْشَدَ:

ولَيْلَةٍ ظَلامُها قَدِ اعْتَكَرَ ∗∗∗ قِطْعَتُها والزَّمْهَرِيرُ ما زَهَرَرَ

ولَيْسَ هَذا لِأنَّ طَبِيعَتَهُ بارِدَةٌ كَما قِيلَ لِأنَّهُ في حَيِّزِ المَنعِ بَلْ قِيلَ إنَّهُ بَرْهَنَ عَلى أنَّ الأنْوارَ كُلَّها حارَةٌ فَيُحْتَمَلُ أنْ ذَلِكَ لِلَمَعانِهِ أخْذًا لَهُ مِنِ ازْمَهَرَّ الكَوْكَبُ لَمَعَ، والمَعْنى عَلى هَذا القَوْلِ أنَّ هَواءَها مُضِيءٌ بِذاتِهِ لا يَحْتاجُ إلى شَمْسٍ ولا قَمَرٍ. وفي الحَدِيثِ:

صفحة 159

«إنَّ الجَنَّةَ لا خَطَرَ بِها هي ورَبِّ الكَعْبَةِ نُورٌ يَتَلَأْلَأُ ورَيْحانَةٌ تَهْتَزُّ وقَصْرُ مَشِيدٌ» الحَدِيثُ ثُمَّ إنَّها مَعَ هَذا قَدْ يَظْهَرُ فِيها نُورٌ أقْوى مِن نُورِها كَما تَشْهَدُ بِهِ الأخْبارُ الصَّحِيحَةُ. وفي بَعْضِ الآثارِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بَيْنا أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ إذْ رَأوْا ضَوْءًا كَضَوْءِ الشَّمْسِ وقَدْ أشْرَقَتِ الجِنانُ بِهِ فَيَقُولُ أهْلُ الجَنَّةِ: يا رِضْوانُ ما هَذا وقَدْ قالَ رَبُّنا ﴿لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا ولا زَمْهَرِيرًا﴾ فَيَقُولُ لَهم رِضْوانُ: لَيْسَ هَذا بِشَمْسٍ ولا قَمَرٍ ولَكِنَّ عَلِيًّا وفاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ضَحِكا فَأشْرَقَتِ الجِنانُ مِن نُورِ ثَغْرَيْهِما.