وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا هم بِالسّاهِرَةِ﴾ حِينَئِذٍ بَيانٌ لِتَرَتُّبِ الكَرَّةِ عَلى الزَّجْرَةِ مُفاجَأةً؛ أيْ: فَإذا هم أحْياءٌ عَلى وجْهِ الأرْضِ بَعْدَ ما كانُوا أمْواتًا في بَطْنِها، وعَلى الأوَّلِ بَيانٌ لِحُضُورِهِمُ المَوْقِفَ عَقِيبَ الكَرَّةِ الَّتِي عَبَّرَ عَنْها بِالزَّجْرَةِ، والسّاهِرَةُ قِيلَ: وجْهُ الأرْضِ والفَلاةِ، وأنْشَدُوا قَوْلَ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ:
وفِيها لَحْمُ ساهِرَةٍ وبَحْرٍ وما فاهُوا بِهِ أبَدًا مُقِيمُ
وفِي الكَشّافِ: الأرْضُ البَيْضاءُ أيِ الَّتِي لا نَباتَ فِيها المُسْتَوِيَةُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ السَّرابَ يَجْرِي فِيها مِن قَوْلِهِمْ: عَيْنٌ ساهِرَةٌ جارِيَةُ الماءِ وفي ضِدِّها نائِمَةٌ، قالَ الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ:وساهِرَةٍ يُضْحِي السَّرابُ مُجَلِّلًا ∗∗∗ لِأقْطارِها قَدْ جُبْتُها مُتَلَثِّما
أوْ لِأنَّ سالِكَها لا يَنامُ خَوْفَ الهَلَكَةِ، وفي الأوَّلِ مَجازٌ عَلى المَجازِ، وعَلى الثّانِي السَّهَرُ عَلى حَقِيقَتِهِ والتَّجَوُّزُ في الإسْنادِ، وحَكى الرّاغِبُ فِيها قَوْلَيْنِ: الأوَّلُ أنَّها وجْهُ الأرْضِ، والثّانِي أنَّها أرْضُ القِيامَةِ، ثُمَّ قالَ:وحَقِيقَتُها الَّتِي يَكْثُرُ الوَطْءُ بِها؛ فَكَأنَّها سَهِرَتْ مِن ذَلِكَ إشارَةً إلى نَحْوِ ما قالَ الشّاعِرُ:
تَحَرَّكَ يَقْظانُ التُّرابِ ونائِمُهْ
ورَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ السّاهِرَةَ أرْضٌ مِن فِضَّةٍ لَمْ يُعْصَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْها قَطُّ يَخْلُقُها عَزَّ وجَلَّ حِينَئِذٍ، وعَنْهُ أيْضًا أنَّها أرْضُ مَكَّةَ، وقِيلَ: وهي الأرْضُ السّابِعَةُ يَأْتِي اللَّهُ تَعالى بِها فَيُحاسِبُ الخَلائِقَ عَلَيْها؛ وذَلِكَ حِينَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ، وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: جَبَلٌ بِالشّامِ يَمُدُّهُ اللَّهُ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ لِحَشْرِ النّاسِ، وقالَ أبُو العالِيَةِ وسُفْيانُ: أرْضٌ قَرِيبَةٌ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ، وقِيلَ: السّاهِرَةُ بِمَعْنى الصَّحْراءِ عَلى شَفِيرِ جَهَنَّمَ، وقالَ قَتادَةُ: وهي جَهَنَّمُ؛ لِأنَّهُ لا نَوْمَ لِمَن فِيها.