You are reading tafsir of 10 ayahs: 86:1 to 86:10.
(p-٢٤٥)سُورَةُ الطّارِقِ
قَوْلُهُ تَعالى ﴿والسَّماءِ والطّارِقِ﴾ هُما قَسَمانِ: (والسَّماءِ) قَسَمٌ، (والطّارِقِ) قَسَمٌ.
(اَلطّارِقُ) نَجْمٌ، وقَدْ بَيَّنَهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وَما أدْراكَ ما الطّارِقُ﴾ ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ ومِنهُ قَوْلُ هِنْدٍ بِنْتِ عُتْبَةَ
؎ نَحْنُ بَناتُ طارِقِ نَمْشِي عَلى النَّمارِقِ
تَقُولُ: نَحْنُ بَناتُ النَّجْمِ افْتِخارًا بِشَرَفِها، وإنَّما سُمِّيَ النَّجْمُ طارِقًا لِاخْتِصاصِهِ بِاللَّيْلِ، والعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ قاصِدٍ في اللَّيْلِ طارِقًا، قالَ الشّاعِرُ
؎ ألا طَرَقْتَ بِاللَّيْلِ ما هَجَعُوا هِنْدُ ∗∗∗ وهِنْدٌ أتى مِن دُونِها النَّأْيُ والصَّدُّ
وَأصْلُ الطَّرْقِ الدَّقُّ، ومِنهُ سُمِّيَتِ المِطْرَقَةُ، فَسُمِّيَ قاصِدُ اللَّيْلِ طارِقًا لِاحْتِياجِهِ في الوُصُولِ إلى الدَّقِّ.(p-٢٤٦)
وَفِي قَوْلِهِ (اَلنَّجْمُ) الثّاقِبُ سِتَّةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: المُضِيءُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: المُتَوَهِّجُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: المُنْقِصُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الرّابِعُ: أنَّ الثّاقِبَ الَّذِي قَدِ ارْتَفَعَ عَلى النُّجُومِ كُلِّها، قالَهُ الفَرّاءُ.
الخامِسُ: الثّاقِبُ: الشَّياطِينُ حِينَ تُرْمى، قالَهُ السُّدِّيُّ.
السّادِسُ: الثّاقِبُ في مَسِيرِهِ ومَجْراهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
وَفي هَذا النَّجْمِ الثّاقِبِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ زُحَلُ، قالَهُ عَلِيٌّ.
الثّانِي: الثُّرَيّا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: (لَمّا) بِمَعْنى إلّا، وتَقْدِيرُهُ: إنْ كَلُّ نَفْسٍ إلّا عَلَيْها حافِظٌ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّ (ما) الَّتِي بَعْدَ اللّامِ صِلَةٌ زائِدَةٌ، وتَقْدِيرُهُ: إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَعَلَيْها حافِظٌ، قالَهُ الأخْفَشُ.
وَفي الحافِظِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: حافِظٌ مِنَ اللَّهِ يَحْفَظُ عَلَيْهِ أجْلَهُ ورِزْقَهُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
الثّانِي: مِنَ المَلائِكَةِ يَحْفَظُونَ عَلَيْهِ عَمَلَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، قالَهُ قَتادَةُ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنْ يَكُونَ الحافِظُ الَّذِي عَلَيْهِ عَقْلَهُ، لِأنَّهُ يُرْشِدُهُ إلى مَصالِحِهِ، ويَكُفُّهُ عَنْ مَضارِّهِ.
﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: مِن بَيْنِ صُلْبِ الرَّجُلِ وتَرائِبِهِ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.(p-٢٤٧)
الثّانِي: بِمَعْنى أصْلابِ الرِّجالِ وتَرائِبِ النِّساءِ.
وَفي التَّرائِبِ سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الصَّدْرُ، قالَهُ ابْنُ عِياضٍ، ومِنهُ قَوْلُ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ.
؎ فَإنْ تُدْبِرُوا نَأْخُذْكم في ظُهُورِكم ∗∗∗ وإنْ تُقْبِلُوا نَأْخُذْكم في التَّرائِبِ
الثّانِي: ما بَيْنَ المَنكِبَيْنِ إلى الصَّدْرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: مَوْضِعُ القِلادَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، قالَ الشّاعِرُ
؎ والزَّعْفَرانُ عَلى تَرائِبِها ∗∗∗ شَرِقَ بِهِ اللَّبّاتُ والنَّحْرُ
الرّابِعُ: أنَّها أرْبَعَةُ أضْلاعٍ مِنَ الجانِبِ الأسْفَلِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، وحَكى الزَّجّاجُ أنَّ التَّرائِبَ أرْبَعَةُ أضْلاعٍ مِن يُمْنَةِ الصَّدْرِ وأرْبَعَةُ أضْلاعٍ مِن يُسْرَةِ الصَّدْرِ.
الخامِسُ: أنَّها بَيْنَ اليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ والعَيْنَيْنِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
السّادِسُ: هي عُصارَةُ القَلْبِ، قالَهُ مَعْمَرُ بْنُ أبِي حَبِيبَةَ.
﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: عَلى أنْ يَرُدَّ المَنِيَّ في الإحْلِيلِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: عَلى أنْ يَرُدَّ الماءَ في الصُّلْبِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الثّالِثُ: عَلى أنْ يَرُدَّ الإنْسانَ مِنَ الكِبَرِ إلى الشَّبابِ، ومِنَ الشَّبابِ إلى الصِّبا، ومِنَ الصِّبا إلى النُّطْفَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الرّابِعُ: عَلى أنْ يُعِيدَهُ حَيًّا بَعْدَ مَوْتِهِ، قالَهُ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وقَتادَةُ.
الخامِسُ: عَلى أنْ يَحْبِسَ الماءَ فَلا يَخْرُجُ.
وَيَحْتَمِلُ سادِسًا: عَلى أنْ يُعِيدَهُ إلى الدُّنْيا بَعْدَ بَعْثِهِ في الآخِرَةِ لِأنَّ الكُفّارَ يَسْألُونَ اللَّهَ فِيها الرَّجْعَةَ.
﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ أيْ تَظْهَرُ.
وَيَحْتَمِلُ ثانِيًا: أنْ تُبْتَلى بِظُهُورِ السَّرائِرِ في الآخِرَةِ بَعْدَ اسْتِتارِها في الدُّنْيا.
وَفِيها قَوْلانِ:(p-٢٤٨)
أحَدُهُما: كُلُّ ما اسْتَتَرَ بِهِ الإنْسانُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، وأضْمَرَهُ مِن إيمانٍ أوْ كُفْرٍ، كَما قالَ الأحْوَصُ
؎ سَتُبْلى لَكم في مُضْمَرِ السِّرِّ والحَشا ∗∗∗ سَرِيرَةُ وُدٍّ يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ.
الثّانِي: هو ما رَواهُ خالِدٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « (اَلْأماناتُ ثَلاثٌ: الصَّلاةُ والصَّوْمُ والجَنابَةُ، اسْتَأْمَنَ اللَّهُ ابْنَ آدَمَ عَلى الصَّلاةِ، فَإنْ شاءَ قالَ: قَدْ صَلَّيْتُ ولَمْ يُصَلِّ، اسْتَأْمَنَ اللَّهُ ابْنَ آدَمَ عَلى الصَّوْمِ، فَإنْ شاءَ قالَ: قَدْ صُمْتُ ولَمْ يَصُمْ، اسْتَأْمَنَ اللَّهُ ابْنَ آدَمَ عَلى الجَنابَةِ، فَإنْ شاءَ قالَ: قَدِ اغْتَسَلْتُ ولَمْ يَغْتَسِلْ، اقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ: يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ )» . ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ القُوَّةَ العَشِيرَةُ، والنّاصِرَ: الحَلِيفُ، قالَهُ سُفْيانُ.
الثّانِي: فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ في بَدَنِهِ، ولا ناصِرٍ مِن غَيْرِهِ يَمْتَنِعُ بِهِ مِنَ اللَّهِ، أوْ يَنْتَصِرُ بِهِ عَلى اللَّهِ، وهو مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ في الِامْتِناعِ، ولا ناصِرٍ في الِاحْتِجاجِ.