Tafsir Al-Mawardi

Multiple Ayahs

Tags

Download Links

Tafsir Al-Mawardi tafsir for Surah At-Tin — Ayah 4

وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيۡتُونِ ١ وَطُورِ سِينِينَ ٢ وَهَٰذَا ٱلۡبَلَدِ ٱلۡأَمِينِ ٣ لَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ فِيٓ أَحۡسَنِ تَقۡوِيمٖ ٤ ثُمَّ رَدَدۡنَٰهُ أَسۡفَلَ سَٰفِلِينَ ٥ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَلَهُمۡ أَجۡرٌ غَيۡرُ مَمۡنُونٖ ٦ فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعۡدُ بِٱلدِّينِ ٧ أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِأَحۡكَمِ ٱلۡحَٰكِمِينَ ٨

(p-٣٠٠)سُورَةُ التِّينِ

مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ وجابِرٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: هي مَدَنِيَّةٌ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾ هُما قَسَمانِ، وفِيهِما ثَمانِيَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُما التِّينُ والزَّيْتُونُ المَأْكُولانِ، قالَهُ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّ التِّينَ دِمَشْقُ، والزَّيْتُونَ بَيْتُ المَقْدِسِ، قالَهُ كَعْبُ الأحْبارِ وابْنُ زَيْدٍ.

الرّابِعُ: أنَّ التِّينَ مَسْجِدُ دِمَشْقَ، والزَّيْتُونَ مَسْجِدُ بَيْتِ المَقْدِسِ، قالَهُ الحارِثُ وابْنُ زَيْدٍ.

الخامِسُ: الجَبَلُ الَّذِي عَلَيْهِ التِّينُ، والجَبَلُ الَّذِي عَلَيْهِ الزَّيْتُونُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وهُما جَبَلانِ بِالشّامِ يُقالُ لِأحَدِهِما طُورُ زَيْتا، ولِلْآخَرِ طُورُ تِينا، وهو تَأْوِيلُ الرَّبِيعِ.(p-٣٠١)

وَحَكى ابْنُ الأنْبارِيِّ أنَّهُما جَبَلانِ بَيْنَ حُلْوانَ وهَمْدانَ، وهو بَعِيدٌ.

السّادِسُ: أنَّ التِّينَ مَسْجِدُ أصْحابِ الكَهْفِ، والزَّيْتُونَ مَسْجِدُ إيلِيّا، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.

السّابِعُ: أنَّ التِّينَ مَسْجِدُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِي بُنِيَ عَلى الجُودِيِّ، والزَّيْتُونَ مَسْجِدُ بَيْتِ المَقْدِسِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّامِنُ: أنَّهُ أرادَ بِهِما نِعَمَ اللَّهِ تَعالى عَلى عِبادِهِ الَّتِي مِنها التِّينُ والزَّيْتُونُ، لِأنَّ التِّينَ طَعامٌ، والزَّيْتُونَ إدامٌ.

﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ وهو قَسَمٌ ثالِثٌ وفِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ جَبَلٌ بِالشّامِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّهُ الجَبَلُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَهُ كَعْبُ الأحْبارِ.

وَفي قَوْلِهِ ﴿سِينِينَ﴾ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ:

أحَدُها: أنَّهُ الحُسْنُ بِلُغَةِ الحَبَشَةِ، ونَطَقَتْ بِهِ العَرَبُ، قالَهُ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ.

الثّانِي: أنَّهُ المُبارَكُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ اسْمُ البَحْرِ، حَكاهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

الرّابِعُ: أنَّهُ اسْمٌ لِلشَّجَرِ الَّذِي حَوْلَهُ، قالَهُ عَطِيَّةُ.

﴿وَهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾ يَعْنِي بِالبَلَدِ مَكَّةَ وحَرَمَها، وفي الأمِينِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: الآمِنُ أهْلُهُ مِن سَبْيٍ أوْ قَتْلٍ، لِأنَّ العَرَبَ كانَتْ تَكُفُّ عَنْهُ في الجاهِلِيَّةِ أنْ تَسْبِيَ فِيهِ أحَدًا أوْ تَسْفِكَ فِيهِ دَمًا.

الثّانِي: يَعْنِي المَأْمُونَ عَلى ما أوْدَعَهُ اللَّهُ تَعالى فِيهِ مِن مَعالِمِ الدِّينِ، وهَذا قَسَمٌ رابِعٌ.

﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ وفي المُرادِ بِالإنْسانِ ها هُنا قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ عُمُومَ النّاسِ، وذَكَرَ الإنْسانَ عَلى وجْهِ التَّكْثِيرِ لِأنَّهُ وصَفَهُ بِما يَعُمُّ لِجَمِيعِ النّاسِ.

الثّانِي: أنَّهُ أرادَ إنْسانًا بِعَيْنِهِ عَناهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وإنْ كانَ صِفَةَ النّاسِ.(p-٣٠٢)

واخْتُلِفَ فِيمَن أرادَهُ اللَّهُ تَعالى، عَلى خَمْسَةِ أوْجُهٍ:

أحَدُها: أنَّهُ عَنى كَلَدَةَ بْنَ أُسَيْدٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أبا جَهْلٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الخامِسُ: أنَّهُ عَنى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . وفي قَوْلِهِ ﴿فِي أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: في أعْدَلِ خَلْقٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: في أحْسَنِ صُورَةٍ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

الثّالِثُ: في شَبابٍ وقُوَّةٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الرّابِعُ: مُنْتَصِبَ القامَةِ، لِأنَّ سائِرَ الحَيَوانِ مُنْكَبٌّ غَيْرَ الإنْسانِ، فَإنَّهُ مُنْتَصِبٌ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أيْ في أكْمَلِ عَقْلٍ، لِأنَّ تَقْوِيمَ الإنْسانِ بِعَقْلِهِ، وعَلى هَذا وقَعَ القَسَمُ.

﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: إلى الهَرَمِ بَعْدَ الشَّبابِ، والضَّعْفِ بَعْدَ القُوَّةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ والكَلْبِيُّ، ويَكُونُ أسْفَلُ بِمَعْنى بَعْدَ التَّمامِ.

الثّانِي: بَعْدَ الكُفْرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وأبُو العالِيَةِ، ويَكُونُ أسْفَلُ السّافِلِينَ مَحْمُولًا عَلى الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: إلى ضَعْفِ التَّمْيِيزِ بَعْدَ قُوَّتِهِ.

﴿فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أوْجُهٍ:

أحَدُها: غَيْرُ مَنقُوصٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ الشّاعِرُ

؎ يا عَيْنُ جُودِي بِدَمْعٍ غَيْرِ مَمْنُونٍ.

. . . . . . . .

الثّانِي: غَيْرُ مَحْسُوبٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: غَيْرُ مُكَدَّرٍ بِالمَنِّ والأذى، قالَهُ الحَسَنُ.

الرّابِعُ: غَيْرُ مَقْطُوعٍ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.(p-٣٠٣)

الخامِسُ: أجْرٌ بِغَيْرِ عَمَلٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وَحُكِيَ أنَّ مَن بَلَغَ الهَرَمَ كُتِبَ لَهُ أجْرُ ما عَجَزَ عَنْهُ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ.

السّادِسُ: أنْ لا يَضُرَّ كُلَّ أحَدٍ مِنهم ما عَمِلَهُ في كِبْرِهِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: حُكْمُ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: الجَزاءُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ

؎ دِنّا تَمِيمًا كَما كانَتْ أوائِلُنا ∗∗∗ دانَتْ أوائِلَهم في سالِفِ الزَّمَنِ

﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ وهَذا تَقْرِيرٌ لِمَنِ اعْتَرَفَ مِنَ الكَفّارِ بِصانِعٍ قَدِيمٍ، وفِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ صُنْعًا وتَدْبِيرًا، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: أحْكَمُ الحاكِمِينَ قَضاءً بِالحَقِّ وعَدْلًا بَيْنَ الخَلْقِ وفِيهِ مُضْمَرٌ مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُهُ: فَلِمَ يُنْكِرُونَ مَعَ هَذِهِ الحالِ البَعْثَ والجَزاءَ.

وَكانَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إذا قَرَأ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ قالَ: بَلى وأنا عَلى ذَلِكَ مِنَ الشّاهِدِينَ، ونَخْتارُ ذَلِكَ.