﴿وَمِن شَرِّ حاسِدٍ إذا حَسَدَ﴾ أيْ: إذا أظْهَرَ حَسَدَهُ، وعَمِلَ بِمُقْتَضاهُ، لِأنَّهُ إذا لَمْ يَظْهَرْ، فَلا ضَرَرَ يَعُودُ مِنهُ عَلى مَن حَسَدَهُ، بَلْ هو الضارُّ لِنَفْسِهِ، لِاغْتِمامِهِ بِسُرُورِ غَيْرِهِ، وهو الأسِفُ عَلى الخَيْرِ عِنْدَ الغَيْرِ، والِاسْتِعاذَةُ مِن شَرِّ هَذِهِ الأشْياءِ بَعْدَ الِاسْتِعاذَةِ مِن شَرِّ ما خَلَقَ، إشْعارٌ بِأنَّ شَرَّ هَؤُلاءِ أشَدُّ، وخَتَمَ بِالحَسَدِ لِيُعْلَمَ أنَّهُ شَرُّها، وهو أوَّلُ ذَنْبِ عُصِيَ اللهُ بِهِ في السَماءِ، مِن إبْلِيسَ، وفي الأرْضِ، مِن قابِيلَ، وإنَّما عَرَّفَ بَعْضَ المُسْتَعاذِ مِنهُ، ونَكَّرَ بَعْضَهُ، لِأنَّ كُلَّ نَفّاثَةٍ شِرِّيرَةٌ، فَلِذا عُرِّفَتِ "اَلنَّفّاثاتِ"، ونُكِّرَ "غاسِقٍ"، لِأنَّ كُلَّ غاسِقٍ لا يَكُونُ فِيهِ الشَرُّ، إنَّما يَكُونُ في بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ، وكَذَلِكَ كُلُّ حاسِدٍ، لا يَضُرُّ، ورُبَّ حَسَدٍ يَكُونُ مَحْمُودًا، كالحَسَدِ في الخَيْراتِ.