You are reading tafsir of 8 ayahs: 74:49 to 74:56.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٩ - ٥٦] ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ ﴿كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ [المدثر: ٥٠] ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر: ٥١] ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر: ٥٢] ﴿كَلا بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ [المدثر: ٥٣] ﴿كَلا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ [المدثر: ٥٤] ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ [المدثر: ٥٥] ﴿وما يَذْكُرُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ هو أهْلُ التَّقْوى وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦]
﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ أيْ: فَما لِهَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ عَنْ تَذْكِرَةِ اللَّهِ إيّاهم بِهَذا القُرْآنِ مُعْرِضِينَ، لا يَسْتَمِعُونَ لَها، فَيَتَّعِظُوا ويَعْتَبِرُوا.
﴿كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ [المدثر: ٥٠] أيْ: كَأنَّهم في الإعْراضِ عَنِ الذِّكْرى، وبَلادَةِ قُلُوبِهِمْ، حُمُرٌ شَدِيدَةُ النِّفارِ.
﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر: ٥١] أيْ: أسَدٍ، أوْ عُصْبَةِ قَنْصٍ مِنَ الرُّماةِ.
﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر: ٥٢] أيْ: يُنَزَّلَ عَلَيْهِ كِتابٌ كَما أُنْزِلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، ونَحْوَهُ آيَةُ: ﴿وإذا جاءَتْهم آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وآيَةُ: ﴿ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَـزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] وآيَةُ: ﴿ولَوْ نَـزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ [الأنعام: ٧] الآيَةَ.
(p-٥٩٨٦)﴿كَلا﴾ [المدثر: ٥٣] أيْ: لا يَكُونُ مُرادُهُمْ، ولا يَتَّبِعُ الحَقُّ أهْواءَهم. أوْ لَيْسَ إرادَتُهم تِلْكَ لِلرَّغْبَةِ في الإيمانِ، فَقَدْ جاءَهم ما يَكْفِيهِمْ عَنِ اقْتِراحِ غَيْرِهِ، وإنَّما هم مَرَدَةُ الدّاءِ، ولِذا قالَ: ﴿بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ [المدثر: ٥٣] أيْ: لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ والجَزاءِ، ولا يَخْشَوْنَ العِقابَ، لِإيثارِهِمُ العاجِلَةَ. أيْ: فَذَلِكَ الَّذِي دَعاهم إلى الإعْراضِ عَنْ تَذْكِرَةِ اللَّهِ، والإباءِ عَنِ الإيمانِ بِتَنْزِيلِهِ.
﴿كَلا﴾ [المدثر: ٥٤] رَدْعٌ عَنْ إعْراضِهِمْ ﴿كَلا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ [المدثر: ٥٤] ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ [المدثر: ٥٥] أيْ: فاتَّعَظَ وعَمِلَ بِما فِيهِ مِن أمْرِ اللَّهِ ونَهْيِهِ.
﴿وما يَذْكُرُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [المدثر: ٥٦] أيْ: ذِكْرَهم واتِّعاظَهُمْ؛ لِأنَّهُ لا حَوْلَ لَهم ولا قُوَّةَ إلّا بِهِ سُبْحانَهُ. وفِيهِ تَرْوِيحٌ لِقَلْبِهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، مِمّا كانَ يُخامِرُهُ مِن إعْراضِهِمْ، ويَحْرِصُ عَلَيْهِ مِن إيمانِهِمْ ﴿هُوَ أهْلُ التَّقْوى﴾ [المدثر: ٥٦] أيْ: حَقِيقٌ بِأنْ يُتَّقى عِقابُهُ، ويُؤْمَنُ بِهِ ويُطاعَ.
﴿وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦] أيْ: حَقِيقٌ بِأنْ يَغْفِرَ لِمَن آمَنَ بِهِ وأطاعَهُ.