You are reading tafsir of 5 ayahs: 75:26 to 75:30.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٦ - ٣٠] ﴿كَلا إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ [القيامة: ٢٧] ﴿وظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ﴾ [القيامة: ٢٨] ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ [القيامة: ٢٩] ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ [القيامة: ٣٠]
﴿كَلا إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ أيْ: بَلَغَتِ النَّفْسُ أعالِيَ الصَّدْرِ. وإضْمارُها -وإنْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ- لِدَلالَةِ السِّياقِ عَلَيْها، كَقَوْلِ حاتِمٍ:(p-٥٩٩٧)
؎أماوِيَّ ما يُغْنِي الثَّراءُ عَنِ الفَتى إذا حَشْرَجَتْ يَوْمًا وضاقَ بِها الصَّدْرُ
قالَ الرّازِيُّ: يُكَنِّي بِبُلُوغِ النَّفْسِ التَّراقِيَ، عَنِ القُرْبِ مِنَ المَوْتِ، ومِنهُ قَوْلُ دُرَيْدِ ابْنِ الصِّمَّةِ:
؎ورُبَّ عَظِيمَةٍ دافَعْتُ عَنْها ∗∗∗ وقَدْ بَلَغَتْ نُفُوسُهُمُ التَّراقِي
ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ [القيامة: ٢٧] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: وقالَ أهْلُهُ: مَن ذا يَرْقِيهِ لِيَشْفِيَهُ مِمّا قَدْ نَزَلَ بِهِ، وطَلَبُوا لَهُ الأطِبّاءَ والمُداوِينَ، فَلَمْ يُغْنُوا عَنْهُ مِن أمْرِ اللَّهِ الَّذِي قَدْ نَزَلَ بِهِ شَيْئًا. أيْ: فالِاسْتِفْهامُ بِمَعْنى الطَّلَبِ لِراقٍ أوْ طَبِيبٍ. وجُوِّزَ كَوْنُهُ بِمَعْنى الإنْكارِ، يَأْسًا مِن أنْ يَقْدِرَ أحَدٌ عَلى نَفْعِهِ بِرُقْيَةٍ أوْ عُوذَةٍ.
لَطِيفَةٌ:
قالَ الواحِدِيُّ: إنَّ إظْهارَ النُّونِ عِنْدَ حُرُوفِ الفَمِ لَحْنٌ، فَلا يَجُوزُ إظْهارُ نُونِ " مَن " في قَوْلِهِ: ﴿مَن راقٍ﴾ [القيامة: ٢٧] ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ إظْهارَ النُّونِ في قَوْلِهِ: ﴿مَن راقٍ﴾ [القيامة: ٢٧] و﴿بَلْ رانَ﴾ [المطففين: ١٤] قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ولا أعْرِفُ وجْهَ ذَلِكَ. قالَ الواحِدِيُّ: والوَجْهُ أنْ يُقالَ: قَصَدَ الوَقْفَ عَلى " مَن " و" بَلْ " فَأظْهَرَهُما، ثُمَّ ابْتَدَأ بِما بَعْدَهُما. وهَذا غَيْرُ مَرَضِيٍّ مِنَ القِراءَةِ. انْتَهى.
نَقَلَهُ الرّازِيُّ.
﴿وظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ﴾ [القيامة: ٢٨] أيْ: وأيْقَنَ الَّذِي قَدْ نَزَلَ ذَلِكَ بِهِ أنَّهُ فِراقُ الدُّنْيا والأهْلِ والمالِ.
﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ [القيامة: ٢٩] أيِ: التَوَتْ ساقُهُ بِساقِهِ، فَلا يَقْدِرُ عَلى تَحْرِيكِها. وقِيلَ: هُما ساقاهُ، إذا التَفَّتا في الكَفَنِ. وقِيلَ: السّاقُ عِبارَةٌ عَنِ الشِّدَّةِ، كَما مَرَّ في سُورَةِ القَلَمِ. والتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ أيْضًا.
قالَ الشِّهابُ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَرَّ هو الكَشْفُ عَنِ السّاقِ، ووَجْهُهُ ظاهِرٌ؛ لِأنَّ المُصابَ يَكْشِفُ عَنْ ساقِهِ، فَكَيْفَ يُنَزَّلُ هَذا عَلَيْهِ؟
قُلْتُ: الأمْرُ كَما ذَكَرْتُ، لَكِنَّهُ شاعَ فِيهِ، فَفُهِمَ ذَلِكَ مِنَ السِّياقِ وحْدَهُ، حَتّى صارَ (p-٥٩٩٨)عِبارَةً عَنْ كُلِّ أمْرٍ فَظِيعٍ، كَما أشارَ إلَيْهِ الرّاغِبُ، انْتَهى.
﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ [القيامة: ٣٠] أيْ: سَوْقُهُ إلى حُكْمِهِ تَعالى.