القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥] ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾
﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ أيْ: لِيَدُومَ عَلى الفُجُورِ، فِيما يَسْتَقْبِلُهُ مِنَ الزَّمانِ، ولا يُثْنِيهِ عَنْهُ شَيْءٌ، ولا يَتُوبُ مِنهُ أبَدًا.
قالَ الشِّهابُ:
﴿أمامَهُ﴾ ظَرْفُ مَكانٍ، اسْتُعِيرَ هُنا لِلزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ، فَيُفِيدُ الِاسْتِمْرارَ والضَّمِيرُ لِلْإنْسانِ، أوْ لِيَوْمِ القِيامَةِ. وقِيلَ: الدَّوامِ والِاسْتِمْرارِ؛ لِأنَّهُ خَبَرٌ عَنْ حالِ الفاجِرِ، بِأنَّهُ يُرِيدُ لِيَفْجُرَ في المُسْتَقْبَلِ، عَلى أنَّ إرادَتَهُ وحُسْبانَهُ هُما عَيْنُ الفُجُورِ. وفي إعادَةِ المُظْهَرِ ما لا يَخْفى مِنَ التَّهْدِيدِ ونَعْيِ قَبِيحِ ما ارْتَكَبَهُ، وأنَّ الإنْسانِيَّةَ تَأْباهُ. وقِيلَ: حَمَلَهُ عَلى الِاسْتِمْرارِ لِيَصِحَّ الإضْرابُ، ويَصِيرَ المَعْنى: بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ أنْ يَسْتَمِرَّ عَلى فُجُورِهِ ولا يَتُوبَ، فَلِذا أنْكَرَ البَعْثَ.
وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: لِيَدُومَ عَلى الفُجُورِ بِالمَيْلِ إلى اللَّذّاتِ البَدَنِيَّةِ، والشَّهَواتِ البَهِيمِيَّةِ، غارِزًا رَأْسَهُ فِيها، فِيما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الزَّمانِ الحاضِرِ والمُسْتَقْبَلِ، فَيَغْفُلُ عَنِ القِيامَةِ لِقُصُورِ نَظَرِهِ عَنْها، وكَوْنِهِ مَقْصُورًا عَلى اللَّذّاتِ العاجِلَةِ، وفَرْطِ تَهالُكِهِ عَلَيْها، واحْتِجابِهِ بِها عَنِ الآجِلَةِ، سائِلًا عَنْها، مُتَعَنِّتًا مُسْتَبْعِدًا إيّاها، كَما قالَ سُبْحانَهُ: