Adwa' Al-Bayan

Multiple Ayahs

Tags

Download Links

Adwa' Al-Bayan tafsir for Surah An-Najm — Ayah 3

وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلۡهَوَىٰٓ ٣

* قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):

صفحة ٤٠٢

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ النَّجْمِ

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ ﴿إنْ هو إلّا وحْيٌ يُوحى﴾ .

هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ بِظاهِرِها عَلى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لا يَجْتَهِدُ في شَيْءٍ، وقَدْ جاءَتْ آياتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ ﷺ رُبَّما اجْتَهَدَ في بَعْضِ الأُمُورِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] .

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٦٧] .

والجَوابُ عَنْ هَذا مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: هو الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ جَرِيرٍ، وصَدَّرَ بِهِ ابْنُ الحاجِبِ في مُخْتَصَرِهِ الأُصُولِيِّ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ أيْ في كُلِّ ما يَبْلُغُهُ عَنِ اللَّهِ، إنْ هو أيْ كُلُّ ما يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ إلّا وحْيٌ مِنَ اللَّهِ، لِأنَّهُ لا يَقُولُ عَلى اللَّهِ شَيْئًا إلّا وحْيٌ مِنهُ، فالآيَةُ رَدٌّ عَلى الكُفّارِ حَيْثُ قالُوا: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ افْتَرى هَذا القُرْءانِ، كَما قالَ ابْنُ الحاجِبِ.

الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ إنِ اجْتَهَدَ، فَإنَّهُ إنَّما يَجْتَهِدُ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ يَأْذَنُ لَهُ بِهِ في ذَلِكَ الِاجْتِهادِ، وعَلَيْهِ فاجْتِهادُهُ بِوَحْيٍ فَلا مُنافاةَ.

وَيَدُلُّ لِهَذا الوَجْهِ أنَّ اجْتِهادَهُ في الإذْنِ لِلْمُتَخَلِّفِينَ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، أذِنَ اللَّهُ لَهُ فِيهِ حَيْثُ قالَ: ﴿فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهُمْ﴾ [النور: ٦٢]، فَلَمّا أُذِنَ لِلْمُنافِقِينَ عاتَبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهم حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وتَعْلَمَ الكاذِبِينَ﴾ [التوبة: ٤٣] .

فالِاجْتِهادُ في الحَقِيقَةِ إنَّما هو الإذْنُ قَبْلَ التَّبَيُّنِ لا في مُطْلَقِ الإذْنِ لِلنَّصِّ عَلَيْهِ.

وَمَسْألَةُ اجْتِهادِ النَّبِيِّ ﷺ وعَدَمِهِ مِن مَسائِلِ الخِلافِ المَشْهُورَةِ عِنْدَ عُلَماءِ الأُصُولِ،

صفحة ٤٠٣

وَسَبَبُ اخْتِلافِهِمْ هو تَعارُضُ الآياتِ في ظاهِرِ الأمْرِ.

قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: الَّذِي يَظْهَرُ أنَّ التَّحْقِيقَ في هَذِهِ المَسْألَةِ أنَّهُ ﷺ رُبَّما فَعَلَ بَعْضَ المَسائِلِ مِن غَيْرِ وحْيٍ في خُصُوصِهِ، كَإذْنِهِ لِلْمُتَخَلِّفِينَ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ قَبْلَ أنْ يَتَبَيَّنَ صادِقَهم مِن كاذِبِهِمْ، وكَأسْرِهِ لِأُسارى بَدْرٍ، وكَأمْرِهِ بِتَرْكِ تَأْبِيرِ النَّخْلِ، وكَقَوْلِهِ: لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِن أمْرِي ما اسْتَدْبَرْتُ الحَدِيثَ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ.

وَأنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ لا إشْكالَ فِيهِ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لا يَنْطِقُ بِشَيْءٍ مِن أجْلِ الهَوى ولا يَتَكَلَّمُ بِالهَوى.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ هو إلّا وحْيٌ يُوحى﴾ يَعْنِي أنَّ كُلَّ ما يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ فَهو وحْيٌ مِنَ اللَّهِ لا بِهَوًى ولا بِكَذِبٍ ولا افْتِراءٍ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.