قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ إنَّهم كانُوا هم أظْلَمَ وأطْغى﴾ .
قَوْلُهُ: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ [النجم: ٥٠]، أيْ وأهْلَكَ قَوْمَ نُوحٍ ولَمْ يُبَيِّنْ هُنا كَيْفِيَّةَ إهْلاكِهِمْ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ ذَلِكَ في مَواضِعَ أُخَرَ مِن
صفحة ٤٧٤
كِتابِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أغْرَقْناهُمْ﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٣٧] .وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا فَأخَذَهُمُ الطُّوفانُ وهم ظالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ١٤] .
وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنَصَرْناهُ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إنَّهم كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٧] .
وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا﴾ [نوح: ٢٥] .
وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ [هود: ٣٧]، والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ.
وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن كَوْنِ قَوْمِ نُوحٍ ﴿أظْلَمَ وأطْغى﴾، أيْ أشَدَّ ظُلْمًا وطُغْيانًا مِن غَيْرِهِمْ، قَدْ بَيَّنَهُ تَعالى في آياتٍ أُخَرَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا ونَهارًا﴾ ﴿فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلّا فِرارًا﴾ ﴿وَإنِّي كُلَّما دَعَوْتُهم لِتَغْفِرَ لَهم جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ واسْتَغْشَوْا ثِيابَهم وأصَرُّوا واسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبارًا﴾ [نوح: ٥ - ٧] .
وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ نُوحٌ رَبِّ إنَّهم عَصَوْنِي واتَّبَعُوا مَن لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ ووَلَدُهُ إلّا خَسارًا﴾ ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبّارًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَقَدْ أضَلُّوا كَثِيرًا﴾ [نوح: ٢١ - ٢٤] .
وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكَ إنْ تَذَرْهم يُضِلُّوا عِبادَكَ ولا يَلِدُوا إلّا فاجِرًا كَفّارًا﴾ [نوح: ٢٧] .
وَقَوْلِهِ: ﴿وَيَصْنَعُ الفُلْكَ وكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنهُ﴾ [هود: ٣٨] .
وَمِن أعْظَمِ الأدِلَّةِ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا﴾ [العنكبوت: ١٤]، لِأنَّ قَوْمًا لَمْ يَتَأثَّرُوا بِدَعْوَةِ نَبِيٍّ كَرِيمٍ ناصِحٍ في هَذا الزَّمَنِ الطَّوِيلِ لا شَكَّ أنَّهم أظْلَمُ النّاسِ وأطْغاهم.