قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ ورْدَةً كالدِّهانِ﴾ .
ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ السَّماءَ سَتَنْشَقُّ يَوْمَ القِيامَةِ، وأنَّها إذا انْشَقَّتْ صارَتْ ورْدَةً كالدِّهانِ، وقَوْلُهُ: ورْدَةً: أيْ حَمْراءَ كَلَوْنِ الوَرْدِ، وقَوْلُهُ: كالدِّهانِ: فِيهِ قَوْلانِ مَعْرُوفانِ لِلْعُلَماءِ:
الأوَّلُ مِنهُما: أنَّ الدِّهانَ هو الجِلْدُ الأحْمَرُ، وعَلَيْهِ فالمَعْنى أنَّها تَصِيرُ ورْدَةً مُتَّصِفَةً بِلَوْنِ الوَرْدِ مُشابِهَةً لِلْجِلْدِ الأحْمَرِ في لَوْنِهِ.
صفحة ٥٠٢
والثّانِي: أنَّ الدِّهانَ هو ما يُدْهَنُ بِهِ، وعَلَيْهِ، فالدِّهانُ، قِيلَ: هو جَمْعُ دُهْنٍ، وقِيلَ: هو مُفْرَدٌ، لِأنَّ العَرَبَ تُسَمِّي ما يُدْهَنُ بِهِ دِهانًا، وهو مُفْرَدٌ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:كَأنَّهُما مَزادَتا مُتَعَجِّلٍ فَرِيّانِ لَمّا تُسْلَقا بِدِهانِ
وَحَقِيقَةُ الفَرْقِ بَيْنَ القَوْلَيْنِ أنَّهُ عَلى القَوْلِ بِأنَّ الدِّهانَ هو الجِلْدُ الأحْمَرُ يَكُونُ اللَّهُ وصَفَ السَّماءَ عِنْدَ انْشِقاقِها يَوْمَ القِيامَةِ بِوَصْفٍ واحِدٍ وهو الحُمْرَةُ فَشَبَّهَها بِحُمْرَةِ الوَرْدِ، وحُمْرَةِ الأدِيمِ الأحْمَرِ.قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّها يَصِلُ إلَيْها حُرُّ النّارِ فَتَحْمَرُّ مِن شِدَّةِ الحَرارَةِ. وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: أصْلُ السَّماءِ حَمْراءُ إلّا أنَّها لِشِدَّةِ بُعْدِها وما دُونَها مِنَ الحَواجِزِ لَمْ تَصِلِ العُيُونُ إلى إدْراكِ لَوْنِها الأحْمَرِ عَلى حَقِيقَتِهِ، وأنَّها يَوْمَ القِيامَةِ تُرى عَلى حَقِيقَةِ لَوْنِها.
وَأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ الدِّهانَ هو ما يُدْهَنُ بِهِ، فَإنَّ اللَّهَ قَدْ وصَفَ السَّماءَ عِنْدَ انْشِقاقِها بِوَصْفَيْنِ أحَدِهِما حُمْرَةِ لَوْنِها، والثّانِي أنَّها تَذُوبُ وتَصِيرُ مائِعَةً كالدُّهْنِ.
أمّا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ، فَلَمْ نَعْلَمْ آيَةً مِن كِتابِ اللَّهِ تُبَيِّنُ هَذِهِ الآيَةَ، بِأنَّ السَّماءَ سَتَحْمَرُّ يَوْمَ القِيامَةِ حَتّى تَكُونَ كَلَوْنِ الجِلْدِ الأحْمَرِ.
وَأمّا عَلى القَوْلِ الثّانِي الَّذِي هو أنَّها تَذُوبُ وتَصِيرُ مائِعَةً، فَقَدْ أوْضَحَهُ اللَّهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى في المَعارِجِ: ﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ ﴿وَنَراهُ قَرِيبًا﴾ ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ [المعارج: ٧ - ٨]، والمُهْلُ شَيْءٌ ذائِبٌ عَلى كِلا القَوْلَيْنِ، سَواءٌ قُلْنا: إنَّهُ دُرْدِيُّ الزَّيْتِ وهو عَكِرُهُ، أوْ قُلْنا إنَّهُ الذّائِبُ مِن حَدِيدٍ أوْ نُحاسٍ أوْ نَحْوِهِما.
وَقَدْ أوْضَحَ تَعالى في الكَهْفِ أنَّ المُهْلَ شَيْءٌ ذائِبٌ يُشْبِهُ الماءَ، شَدِيدُ الحَرارَةِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ يَشْوِي الوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وساءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٩] .
والقَوْلُ بِأنَّ الوَرْدَةَ تَشْبِيهٌ بِالفَرَسِ الكُمَيْتِ وهو الأحْمَرُ لِأنَّ حُمْرَتَهُ تَتَلَوَّنُ بِاخْتِلافِ الفُصُولِ، فَتَشْتَدُّ حُمْرَتُها في فَصْلٍ، وتَمِيلُ إلى الصُّفْرَةِ في فَصْلٍ، وإلى الغَبَرَةِ في فَصْلٍ.
وَأنَّ المُرادَ بِالتَّشْبِيهِ كَوْنُ السَّماءِ عِنْدَ انْشِقاقِها تَتَلَوَّنُ بِألْوانٍ مُخْتَلِفَةٍ واضِحُ البُعْدِ عَنْ ظاهِرِ الآيَةِ. وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّها تَذْهَبُ وتَجِيءُ - مَعْناهُ لَهُ شاهِدٌ في كِتابِ اللَّهِ، وذَلِكَ في
صفحة ٥٠٣
قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ الآيَةَ [الطور: ٩]، ولَكِنَّهُ لا يَخْلُو عِنْدِي مِن بُعْدٍ.وَما ذَكَرَهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِنِ انْشِقاقِ السَّماءِ يَوْمَ القِيامَةِ - جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ ﴿وانْشَقَّتِ السَّماءُ﴾ [الحاقة: ١٥ - ١٦]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٢٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الإنفطار: ١]، وقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِهَذا في سُورَةِ ”ق“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما لَها مِن فُرُوجٍ﴾ [ق: ٦] .