Adwa' Al-Bayan

Multiple Ayahs

Tags

Download Links

Adwa' Al-Bayan tafsir for Surah Al-Hashr — Ayah 21

لَوۡ أَنزَلۡنَا هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ عَلَىٰ جَبَلٖ لَّرَأَيۡتَهُۥ خَٰشِعٗا مُّتَصَدِّعٗا مِّنۡ خَشۡيَةِ ٱللَّهِۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَمۡثَٰلُ نَضۡرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ ٢١

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأيْتُهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِن خَشْيَةِ اللَّهِ وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ .

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ أنْزَلْنا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يُنْزِلْهُ، وأنَّهُ ذُكِرَ عَلى سَبِيلِ المِثالِ؛ لِيَتَفَكَّرَ النّاسُ في أمْرِهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ أوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ أوْ كُلِّمَ بِهِ المَوْتى﴾ الآيَةَ [الرعد: ٣١] .

قالَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ - عِنْدَها: جَوابُ (لَوْ) مَحْذُوفٌ.

قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: تَقْدِيرُهُ لَكانَ هَذا القُرْآنُ. . . إلَخْ. ا هـ.

وَقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: يَقُولُ تَعالى مُعَظِّمًا لِأمْرِ القُرْآنِ، ومُبَيِّنًا عُلُوَّ قَدْرِهِ، وأنَّهُ يَنْبَغِي أنْ تَخْشَعَ لَهُ القُلُوبُ وتَتَصَدَّعَ عِنْدَ سَماعِهِ لِما فِيهِ مِنَ الوَعْدِ الحَقِّ والوَعِيدِ الأكِيدِ: ﴿لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ﴾ الآيَةَ [الحشر: ٢١] .

فَإذا كانَ الجَبَلُ في غِلْظَتِهِ وقَساوَتِهِ لَوْ فَهِمَ هَذا القُرْآنَ فَتَدَبَّرَ ما فِيهِ لَخَشَعَ وتَصَدَّعَ مِن خَوْفِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

فَكَيْفَ يَلِيقُ بِكم أيُّها البَشَرُ ألّا تَلِينَ قُلُوبُكم، وتَخْشَعَ، وتَتَصَدَّعَ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ، وقَدْ فَهِمْتُمْ عَنِ اللَّهِ أمْرَهُ وقَدْ تَدَبَّرْتُمْ كِتابَهُ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿وَتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١] .

وَقَدْ وُجِدَ لِبَعْضِ النّاسِ شَيْئًا مِن ذَلِكَ عِنْدَ سَماعِ آياتٍ مِنَ القُرْآنِ، مِن ذَلِكَ ما رَواهُ ابْنُ كَثِيرٍ في سُورَةِ ”الطُّورِ“ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: خَرَجَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَعُسُّ بِالمَدِينَةِ ذاتَ لَيْلَةٍ فَمَرَّ بِدارِ رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ فَوافَقَهُ قائِمًا يُصَلِّي فَوَقَفَ يَسْتَمِعُ قِراءَتَهُ فَقَرَأ: ﴿والطُّورِ﴾ [الطور: ١] حَتّى بَلَغَ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ [الطور: ٧ - ٨] قالَ: قَسَمٌ ورَبِّ الكَعْبَةِ حَقٌّ، فَنَزَلَ عَنْ حِمارِهِ واسْتَنَدَ إلى حائِطٍ فَمَكَثَ مَلِيًّا، ثُمَّ رَجَعَ إلى مَنزِلِهِ، فَمَكَثَ شَهْرًا يَعُودُهُ النّاسُ لا يَدْرُونَ ما مَرَضُهُ.

صفحة ٦٣

وَذَكَرَ القُرْطُبِيُّ: «قالَ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ قَدِمْتُ المَدِينَةَ؛ لِأسْألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في أُسارى بَدْرٍ فَوافَيْتُهُ يَقْرَأُ في صَلاةِ المَغْرِبِ ﴿والطُّورِ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾، فَكَأنَّما صَدَعَ قَلْبِي فَأسْلَمْتُ خَوْفًا مِن نُزُولِ العَذابِ، وما كُنْتُ أظُنُّ أنْ أقُومَ مِن مَقامِي حَتّى يَقَعَ بِي العَذابُ» .

وَذُكِرَ في خَبَرِ مالِكِ بْنِ دِينارٍ أنَّهُ سَمِعَها فَجَعَلَ يَضْطَرِبُ حَتّى غُشِيَ عَلَيْهِ.

وَقَدْ نَقَلَ السُّيُوطِيُّ في الإتْقانِ خَبَرَ مالِكِ بْنِ دِينارٍ بِتَمامِهِ في فَصْلِ إعْجازِ القُرْآنِ.

وَقالَ: قَدْ ماتَ جَماعَةٌ عِنْدَ سَماعِ آياتٍ مِنهُ أُفْرِدُوا بِالتَّصْنِيفِ، وقَدْ يَنْشَأُ هُنا سُؤالٌ كَيْفَ يَكُونُ هَذا تَأْثِيرُ القُرْآنِ لَوْ أُنْزِلَ عَلى الجِبالِ ولَمْ تَتَأثَّرْ بِهِ القُلُوبُ ؟ وقَدْ أجابَ القُرْآنُ عَنْ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَهي كالحِجارَةِ أوْ أشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤]، وكَذَلِكَ أصَمُّوا آذانَهم عَنْ سَماعِهِ، وغَلَّفُوا قُلُوبَهم بِالكُفْرِ عَنْ فَهْمِهِ، وأوْصَدُوها بِأقْفالِها فَقالُوا: ﴿قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ [البقرة: ٨٨]، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأعْرَضَ عَنْها ونَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ [الكهف: ٥٧] أيْ: بِسَبَبِ الإعْراضِ وعَدَمِ التَّدَبُّرِ والنِّسْيانِ، ولِذا قالَ تَعالى عَنْهم: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾ [محمد: ٢٤] فَهَذِهِ أسْبابُ عَدَمِ تَأثُّرِ الكَفّارِ بِالقُرْآنِ كَما قالَ الشّاعِرُ:

إذا لَمْ يَكُنْ لِلْمَرْءِ عَيْنٌ صَحِيحَةٌ فَلا غَرْوَ أنْ يَرْتابَ والصُّبْحُ مُسْفِرُ

وَيُفْهَمُ مِنهُ بِمَفْهُومِ المُخالَفَةِ أنَّ المُؤْمِنِينَ تَخْشَعُ قُلُوبُهم، وتَلِينُ جُلُودُهم، كَما نَصَّ تَعالى عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ﴾ [الزمر: ٢٣]، وقَوْلِهِ تَعالى: لَوْ أنْزَلْنا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يُنْزِلْهُ عَلى جَبَلٍ ولَمْ يَتَصَدَّعْ مِنهُ.

وَقَدْ جاءَ في القُرْآنِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ لَوْ أنْزَلَهُ مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ فَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وأشْفَقْنَ مِنها﴾ [الأحزاب: ٧٢] .

وَهَذا نَصٌّ صَرِيحٌ لِأنَّ الجِبالَ أشْفَقَتْ مِن حَمْلِ الأمانَةِ وهي أمانَةُ التَّكْلِيفِ بِمُقْتَضى

صفحة ٦٤

خِطابِ اللَّهِ تَعالى إيّاها.

فَإذا كانَتِ الجِبالُ أشْفَقَتْ لِمُجَرَّدِ العَرْضِ عَلَيْها فَكَيْفَ بِها لَوْ أُنْزِلَ عَلَيْها وكُلِّفَتْ بِهِ.

وَمِنها: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا تَجَلّى لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا، وخَرَّ مُوسى صَعِقًا، والقُرْآنُ كَلامُ اللَّهِ وصِفَةٌ مِن صِفاتِهِ، فَهو شاهِدٌ وإنْ لَمْ يَكُنْ نَصًّا.

وَمِنها النَّصُّ عَلى أنَّ بَعْضَ الجِبالِ الَّتِي هي الحِجارَةُ لَيَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّ مِنَ الحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ وإنَّ مِنها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنهُ الماءُ وإنَّ مِنها لَما يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤] .

وَقَدْ جاءَ في السُّنَّةِ إثْباتُ ما يُشْبِهُ ذَلِكَ في جَبَلِ أُحُدٍ، حِينَما صَعِدَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ، وأبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعُثْمانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - فارْتَجَفَ بِهِمْ، فَقالَ ﷺ: «اثْبُتْ أُحُدُ؛ فَإنَّما عَلَيْكَ نَبِيٌّ، وصِدِّيقٌ، وشَهِيدٌ» .

وَسَواءٌ كانَ ارْتِجافُهُ إشْفاقًا أوْ إجْلالًا فَدَلَّ هَذا كُلُّهُ عَلى أنَّهُ تَعالى وإنْ لَمْ يَنْزِلِ القُرْآنُ عَلى جَبَلٍ أنَّهُ لَوْ أنْزَلَهُ عَلَيْهِ لَرَأيْتَهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ .

وَبِهَذا أيْضًا يَتَّضِحُ أنَّ جَوابَ (لَوْ) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾ [الرعد: ٣١] لَكانَ هَذا القُرْآنَ أرْجَحُ مِن تَقْدِيرِهِمْ لَكَفَرْتُمْ بِالرَّحْمَنِ؛ لِأنَّ مَوْضُوعَ تَسْيِيرِ الجِبالِ وخُشُوعِها وتَصْدِيعِها واحِدٌ، وهو الَّذِي قَدَّمَهُ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ - هُناكَ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

* * *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ .

الأمْثالُ: جَمْعُ مَثَلٍ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ المَثَلِ، وأصْلُ المَثَلِ الِانْتِصابُ، والمُمَثَّلُ بِوَزْنِ اسْمِ المَفْعُولِ المُصَوَّرِ عَلى مِثالِ غَيْرِهِ.

قالَ الرّاغِبُ الأصْفَهانِيُّ، يُقالُ: مَثُلَ الشَّيْءِ إذا انْتَصَبَ وتَصَوَّرَ، ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: «مَن أحَبَّ أنْ يَمْثُلَ لَهُ الرِّجالُ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ»، والتِّمْثالُ: الشَّيْءُ المُصَوَّرُ، وتَمَثَّلَ كَذا تَصَوَّرَ قالَ تَعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧] .

صفحة ٦٥

والمَثَلُ: عِبارَةٌ عَنْ قَوْلٍ في شَيْءٍ يُشْبِهُ قَوْلًا في شَيْءٍ آخَرَ بَيْنَهُما مُشابَهَةٌ؛ لِيُبَيِّنَ أحَدُهُما الآخَرَ ويُصَوِّرَهُ، نَحْوَ قَوْلِهِمْ: الصَّيْفُ ضَيَّعَتِ اللَّبَنَ، فَإنَّ هَذا القَوْلَ يُشْبِهُ قَوْلَكَ: أهْمَلْتَ وقْتَ الإمْكانِ أمْرَكَ، وعَلى هَذا الوَجْهِ ما ضَرَبَ اللَّهُ تَعالى مِنَ الأمْثالِ فَقالَ: ﴿وَتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١] .

وَفِي آيَةٍ أُخْرى: ﴿وَتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] .

والمِثالُ يُقالُ عَلى وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: بِمَعْنى المَثَلِ نَحْوَ مُشَبَّهٍ ومُشَبَّهٍ بِهِ، قالَ بَعْضُهم: وقَدْ يُعَبَّرُ بِهِما عَنْ وصْفِ الشَّيْءِ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ .

والثّانِي: عِبارَةٌ عَنِ المُشابَهَةِ لِغَيْرِهِ في مَعْنًى مِنَ المَعانِي أيِّ مَعْنًى كانَ، وهو أعَمُّ الألْفاظِ المَوْضُوعَةِ لِلْمُشابَهَةِ.

وَذَلِكَ أنَّ النِّدَّ يُقالُ فِيما يُشارِكُ في الجَوْهَرِ فَقَطْ.

والشَّبَهُ يُقالُ فِيما يُشارِكُ في الكَيْفِيَّةِ فَقَطْ.

والمُساوِي يُقالُ فِيما يُشارِكُ في الكَمِّيَّةِ فَقَطْ.

والشَّكْلُ يُقالُ فِيما يُشارِكُ في القَدْرِ والمِساحَةِ فَقَطْ، والمَثَلُ عامٌّ في جَمِيعِ ذَلِكَ.

وَلِهَذا لَمّا أرادَ اللَّهُ تَعالى نَفْيَ التَّشْبِيهِ مِن كُلِّ وجْهِ خَصَّهُ بِالذِّكْرِ فَقالَ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] . . . إلَخْ. ا هـ.

فَقَوْلُهُ في تَعْرِيفِ المَثَلِ إنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ قَوْلٍ في شَيْءٍ يُشْبِهُ قَوْلًا في شَيْءٍ آخَرَ، بَيْنَهُما مُشابَهَةٌ؛ لِيُبَيِّنَ أحَدُهُما الآخَرَ ويُصَوِّرَهُ.

فَإنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ القَوْلَ لا يَتَغَيَّرُ بَلْ يُحْكى عَلى ما قِيلَ أوَّلًا كَقَوْلِهِمْ: الصَّيْفُ ضَيَّعَتِ اللَّبَنَ بِكَسْرِ التّاءِ خِطابًا لِلْمُؤَنَّثَةِ.

فَلَوْ قِيلَ لِرَجُلٍ أهْمَلَ وقْتَ الإمْكانِ ثُمَّ راحَ يَطْلُبُهُ بَعْدَ فَواتِهِ، لَقُلْتَ لَهُ: الصَّيْفُ ضَيَّعَتِ اللَّبَنَ بِكَسْرِ التّاءِ عَلى الحَكايَةِ.

صفحة ٦٦

وَهَذا مِمّا يُسَمّى الِاسْتِعارَةُ التَّمْثِيلِيَّةُ مِن أبْلَغِ الأسالِيبِ، وأكْثَرُ ما في القُرْآنِ مِن أمْثِلَةٍ إنَّما هو مِن قَبِيلِ التَّشْبِيهِ التَّمْثِيلِيِّ، وهو تَشْبِيهُ صُورَةٍ بِصُورَةٍ، وهو مِن أوْضَحِ أسالِيبِ البَيانِ.

وَقَدْ ساقَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ - عَدَدًا مِنها في الجُزْءِ الرّابِعِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ لِلنّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤]، ومِن أهَمِّ أغْراضِ هَذا النَّوْعِ مِنَ التَّشْبِيهِ هو بَيانُ صُورَةٍ بِصُورَةٍ وجَعْلُ الخَفِيِّ جَلِيًّا، والمَعْنَوِيَّ مَحْسُوسًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهم بِشَيْءٍ إلّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إلى الماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وما هو بِبالِغِهِ﴾ [الرعد: ١٤] .

فَلَوْ نَظَرْتَ إلى مَثَلِ هَذا الشَّخْصِ عَلى هَذِهِ الحالَةِ، وفي تِلْكَ الصُّورَةِ بِكُلِّ أجْزائِها، وهو باسِطٌ يَدَهُ مُفَرَّجَةً الأصابِعَ إلى ماءٍ بَعِيدٍ عَنْهُ، وهو فاغِرٌ فاهُ؛ لِيَشْرَبَ، لَقُلْتَ: وأيُّ جَدْوى تَعُودُ عَلَيْهِ، ومَتى يَذُوقُ الماءَ وهو عَلى تِلْكَ الحالَةِ، إنَّهُ يَمُوتُ عَطَشًا ولا يَذُوقُ مِنهُ قَطْرَةً.

وَكَذَلِكَ حالُ مَن يَدْعُو غَيْرَ اللَّهِ مَعَ ما يَدْعُوهم مِن دُونِهِ لا يَحْصُلُ عَلى طائِلٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤١] فَأيُّ غَناءٍ لِإنْسانٍ في بَيْتِ العَنْكَبُوتِ.

وَكَذَلِكَ أيُّ غَناءٍ في ولايَةِ غَيْرِ اللَّهِ فَكَذَلِكَ الحالُ هُنا، أُرِيدَ بِالأمْثالِ صَوَّرَ يُصَوِّرُ لِانْتِزاعِ الحُكْمِ مِنَ السّامِعِ بَعْدَ أنْ تُصْبِحَ الصُّورَةُ مَحْسُوسَةً مَلْمُوسَةً، وانْظُرْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكم وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] وكَيْفَ غَطّى وأخْفى في هَذا الأُسْلُوبِ ما يُسْتَحى مِنهُ وأبْرَزَهُ بِلِباسِهِ في التَّشْبِيهِ بِما يُتَّقى بِهِ، ومَدى مُطابَقَةِ مَعْنى اللِّباسِ لِحاجَةِ كُلٍّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ، وتِلْكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَتِلْكَ الأمْثالُ﴾ [الحشر: ٢١] عائِدَةٌ إلى الأمْثِلَةِ المُتَقَدِّمَةِ قَرِيبًا في عَمَلِ المُنافِقِينَ مَعَ اليَهُودِ ونَتائِجِ أعْمالِهِمْ، وهَكَذا كُلُّ مُوالاةٍ بَيْنَ غَيْرِ المُسْلِمِينَ وكُلُّ مُعاداةٍ وانْصِرافٍ عَمّا جاءَ بِهِ سَيِّدُ المُرْسَلِينَ ﷺ .

وَكَذَلِكَ في بَيانِ مَدى فَعالِيَّةِ القُرْآنِ وتَأْثِيرِهِ، لَوْ أُنْزِلَ عَلى الجِبالِ؛ لَخَشَعَتْ، وتَصَدَّعَتْ مِمّا يَسْتَوْجِبُ التَّفْكِيرَ فِيهِ والِاتِّعاظَ بِهِ، ثُمَّ مِثالُ الفَرِيقَيْنِ في قَوْلِهِ تَعالى:

صفحة ٦٧

﴿وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأنْساهم أنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩]، ونَتِيجَةُ ذَلِكَ في الآخِرَةِ مِن عَدَمِ اسْتِواءِ الفَرِيقَيْنِ، فَأصْحابُ نارٍ وأصْحابُ جَنَّةٍ.

وَلَكَأنَّ الأمْثالَ هُنا والتَّنْبِيهَ عَلَيْها إشارَةٌ إلى أنَّ أُولَئِكَ بِنِسْيانِهِمْ لِلَّهِ وإنْسائِهِ إيّاهم أنْفُسَهم، صارُوا بِهَذا النِّسْيانِ أشَدَّ قَساوَةً مِنَ الجِبالِ، بَلْ إنَّ الجِبالَ أسْرَعُ تَأثُّرًا بِالقُرْآنِ مِنهم لَوْ كانُوا يَتَفَكَّرُونَ.

وَقَدْ قالَ أبُو السُّعُودِ: إنَّهُ أرادَ تَوْبِيخَ الإنْسانِ عَلى قَسْوَةِ قَلْبِهِ وعَدَمِ تَخَشُّعِهِ عِنْدَ تِلاوَتِهِ وقِلَّةِ تَدَبُّرِهِ فِيهِ. ا هـ.

وَهَكَذا بِهَذِهِ الأمْثِلَةِ يَنْتَزِعُ الحُكْمَ مِنَ السّامِعِ عَلى أُولَئِكَ المُعْرِضِينَ الغافِلِينَ بِأنَّ قُلُوبَهم قاسِيَةٌ كالجِبالِ أوْ أشَدُّ قَسْوَةً كَما قَدَّمْنا، بِخِلافِ المُؤْمِنِينَ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ وما نَزَلَ مِنَ الحَقِّ كَما قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ﴾ [الزمر: ٢٣] .