قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا ويَنْصُرُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ .
فِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ وصْفٌ شامِلٌ لِلْمُهاجِرِينَ في دَوافِعِ الهِجْرَةِ، أنَّهم: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا﴾، وغايَتُها، وهي: ﴿وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾، والحُكْمُ لَهم بِأنَّهم: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ .
وَمَنطُوقُ هَذِهِ الأوْصافِ يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ أنَّهُ خاصٌّ بِالمُهاجِرِينَ، مَعَ أنَّهُ جاءَتْ نُصُوصٌ أُخْرى تَدُلُّ عَلى مُشارَكَةِ الأنْصارِ لَهم فِيهِ، مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٢]، وقَوْلُهُ تَعالى بَعْدَها: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٧٤] .
فَذَكَرَ المُهاجِرِينَ بِالجِهادِ بِالمالِ والنَّفْسِ، وذَكَرَ مَعَهُمُ الأنْصارَ بِالإيواءِ والنَّصْرِ، ووَصَفَ الفَرِيقَيْنِ مَعًا بِوَلايَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وأثْبَتَ لَهم مَعًا حَقِيقَةَ الإيمانِ: أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا، أيْ: الصّادِقُونَ في إيمانِهِمْ، فاسْتَوى الأنْصارُ مَعَ المُهاجِرِينَ في عامِلِ النُّصْرَةِ وفي صِدْقِ الإيمانِ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَن هاجَرَ إلَيْهِمْ ولا يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا ويُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾
صفحة ٤٣
[الحشر: ٩]، وصْفٌ شامِلٌ لِلْأنْصارِ، ﴿تَبَوَّءُوا الدّارَ﴾ أيْ: المَدِينَةَ، ﴿والإيمانَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: بَيْعَةَ العَقَبَةِ الأُولى والثّانِيَةِ مِن قَبْلِ مَجِيءِ المُهاجِرِينَ، بَلْ ومِن قَبْلِ إيمانِ بَعْضِ المُهاجِرِينَ، ﴿يُحِبُّونَ مَن هاجَرَ إلَيْهِمْ﴾ ويَسْتَقْبِلُونَهُ بِصُدُورٍ رَحْبَةٍ، ﴿وَيُؤْثِرُونَ﴾ غَيْرَهم ﴿عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾، لِأنَّهم هاجَرُوا إلَيْهِمْ.وَظاهِرُ النُّصُوصِ تَدُلُّ بِمَفْهُومِها أنَّ غَيْرَهم لَمْ يُشارِكْهم في هَذِهِ الصِّفاتِ، ولَكِنْ في الآيَةِ الأُولى ما يَدُلُّ لِمُشارَكَةِ المُهاجِرِينَ الأنْصارَ في هَذا الوَصْفِ الكَرِيمِ، وهو الإيثارُ عَلى النَّفْسِ، لِأنَّ حَقِيقَةَ الإيثارِ عَلى النَّفْسِ هو بَذْلُ المالِ لِلْغَيْرِ عِنْدَ حاجَتِهِ مُقَدِّمًا غَيْرَهُ عَلى نَفْسِهِ، وهَذا المَعْنى بِالذّاتِ سَبَقَ أنْ كانَ مِنَ المُهاجِرِينَ أنْفُسِهِمِ المَنصُوصُ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ﴾ [الحشر: ٨]، فَكانَتْ لَهم دِيارٌ، وكانَتْ عِنْدَهم أمْوالٌ وأُخْرِجُوا مِنها كُلِّها، فَلَئِنْ كانَ الأنْصارُ واسَوْا إخْوانَهُمُ المُهاجِرِينَ بِبَعْضِ أمْوالِهِمْ، وقاسَمُوهم مُمْتَلَكاتِهِمْ، فَإنَّ المُهاجِرِينَ لَمْ يَنْزِلُوا عَنْ بَعْضِ أمْوالِهِمْ فَحَسْبُ، بَلْ تَرَكُوها كُلَّها: أمْوالَهم، ودِيارَهم، وأوْلادَهم، وأهْلَهم، فَصارُوا فُقَراءَ بَعْدَ إخْراجِهِمْ مِن دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ، ومَن يَخْرُجُ مِن كُلِّ مالِهِ ودِيارِهِ، ويَتْرُكُ أهْلَهُ وأوْلادَهُ لا يَكُونُ أقَلَّ تَضْحِيَةً مِمَّنْ آثَرَ غَيْرَهُ بِبَعْضِ مالِهِ، وهو مُسْتَقِرٌّ في أهْلِهِ ودِيارِهِ، فَكَأنَّ اللَّهَ عَوَّضَهم بِهَذا الفَيْءِ عَمّا فاتَ عَنْهم.
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: أنَّهُ ﷺ قالَ لِلْأنْصارِ ما يُشْعِرُ بِهَذا المَعْنى، وهو قَوْلُهُ ﷺ: «”إنَّ إخْوانَكم قَدْ تَرَكُوا الأمْوالَ والأوْلادَ وخَرَجُوا إلَيْكم“ فَقالُوا يا رَسُولَ اللَّهِ ! أمْوالُنا بَيْنَنا قَطائِعُ» الحَدِيثَ.
أيْ أنَّ الأنْصارَ عَرَفُوا ذَلِكَ لِلْمُهاجِرِينَ، وعَلَيْهِ أيْضًا، فَقَدِ اسْتَوى المُهاجِرُونَ مَعَ الأنْصارِ في هَذا الوَصْفِ المِثالِيِّ الكَرِيمِ، وكانَ خُلُقًا لِكَثِيرِينَ مِنهم بَعْدَ الهِجْرَةِ «كَما فَعَلَ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حِينَ تَصَدَّقَ بِكُلِّ مالِهِ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ما أبْقَيْتَ لِأهْلِكَ ؟ فَقالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أبْقَيْتُ لَهُمُ اللَّهَ ورَسُولَهُ،» وكَذَلِكَ عائِشَةُ الصِّدِّيقَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - حِينَما كانَتْ صائِمَةً، ولَيْسَ عِنْدَها سِوى قُرْصٍ مِنَ الشَّعِيرِ وجاءَ سائِلٌ فَقالَتْ لِبَرِيرَةَ: ادْفَعِي إلَيْهِ ما عِنْدَكِ، فَقالَتْ لَها: لَيْسَ إلّا ما سَتُفْطِرِينَ عَلَيْهِ، فَقالَتْ لَها: ادْفَعِيهِ إلَيْهِ، ولَعَلَّها أحْوَجُ إلَيْهِ الآنَ، أوْ كَما قالَتْ.
وَلَمّا جاءَ المَغْرِبُ أُهْدِيَ إلَيْهِمْ رِجْلُ شاةٍ بِقِرامِها - وقِرامُها هو ما كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ
صفحة ٤٤
إذا أرادُوا شِواءَ شاةٍ طَلَوْها مِنَ الخارِجِ بِالعَجِينِ حِفْظًا لَها مِن رَمادِ الجَمْرِ - فَقالَتْ لِبَرِيرَةَ: كُلِي، هَذا خَيْرٌ مِن قُرْصِكِ.وَكَما فَعَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تَصَدَّقَ بِالعِيرِ وما تَحْمِلُهُ مِن تِجارَةٍ حِينَ قَدِمَتْ، والرَّسُولُ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَخَرَجَ النّاسُ إلَيْها.
فَعَلى هَذا كانَ مُجْتَمَعُ المَدِينَةِ في عَهْدِهِ ﷺ مُجْتَمَعًا مُتَكافِلًا بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ، وقَدْ نَوَّهَ ﷺ في قِصَّةِ غَنائِمِ حُنَيْنٍ بِفَضْلِ كِلا الفَرِيقَيْنِ في قَوْلِهِ ﷺ: «لَوْلا الهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الأنْصارِ» .
وَمِن بَعْدِهِ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: وأُوصِي الخَلِيفَةَ بَعْدِي بِالمُهاجِرِينَ الأوَّلِينَ أنْ يَعْرِفَ لَهم حَقَّهم ويَحْفَظَ لَهم كَرامَتَهم، وأُوصِيهِ بِالأنْصارِ خَيْرًا الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ، مِن قَبْلُ أنْ يَقْبَلَ مِن مُحْسِنِهِمْ، وأنْ يَعْفُوَ عَنْ مُسِيئِهِمْ.
ثُمَّ كانَ هَذا خُلُقَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ جَمِيعًا، كَما وقَعَ في وقْعَةِ اليَرْمُوكِ، قالَ حُذَيْفَةُ العَدَوِيِّ: انْطَلَقْتُ يَوْمَ اليَرْمُوكِ أطْلُبُ ابْنَ عَمٍّ لِي، ومَعِي شَيْءٌ مِنَ الماءِ وأنا أقُولُ: إنْ كانَ بِهِ رَمَقٌ سَقَيْتُهُ، فَإذا أنا بِهِ فَقُلْتُ لَهُ: أسْقِيكَ ؟ فَأشارَ بِرَأْسِهِ أنْ نَعَمْ، فَإذا أنا بِرَجُلٍ يَقُولُ: آهٍ آهٍ، فَأشارَ إلَيَّ ابْنُ عَمِّي أنِ انْطَلِقْ إلَيْهِ، فَإذا هو هِشامُ بْنُ العاصِ، فَقُلْتُ أسْقِيكَ ؟ فَأشارَ أنْ نَعَمْ، فَسَمِعَ آخَرَ يَقُولُ آهٍ آهٍ، فَأشارَ هِشامُ أنِ انْطَلِقْ إلَيْهِ فَجِئْتُهُ، فَإذا هو قَدْ ماتَ، فَرَجَعْتُ إلى هِشامٍ، فَإذا هو قَدْ ماتَ، فَرَجَعْتُ إلى ابْنِ عَمِّي فَإذا هو قَدْ ماتَ.
وَكانَ مَنهَجُ الخَواصِّ مِن بَعْدِهِمْ، كَما نَقَلَ القُرْطُبِيُّ عَنْ أبِي يَزِيدِ البِسْطامِيِّ أنَّهُ قالَ: ما غَلَبَنِي أحَدٌ ما غَلَبَنِي شابٌّ مِن أهْلِ بَلْخٍ، قَدِمَ عَلَيْنا حاجًّا فَقالَ لِي: ما حَدُّ الزُّهْدِ عِنْدَكم ؟ فَقُلْتُ: إنْ وجَدْنا أكَلْنا، وإنْ فَقَدْنا صَبَرْنا، فَقالَ: هَكَذا كِلابُبَلْخٍ عِنْدَنا، فَقُلْتُ: وما حَدُّ الزُّهْدِ عِنْدَكم ؟ قالَ: إنْ فَقَدْنا شَكَرْنا وإنْ وجَدْنا آثَرْنا.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾، الإيثارُ عَلى النَّفْسِ: تَقْدِيمُ الغَيْرِ عَلَيْها مَعَ الحاجَةِ، والخَصاصَةُ: الَّتِي تَخْتَلُّ بِها الحالُ، وأصْلُها مِنَ الِاخْتِصاصِ، وهو الِانْفِرادُ في الأمْرِ، فالخَصاصَةُ الِانْفِرادُ بِالحاجَةِ أيْ: ولَوْ كانَ بِهِمْ فاقَةٌ وحاجَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
أمّا الرَّبِيعُ إذا تَكُونُ خَصاصَةٌ عاشَ السَّقِيمُ بِهِ وأثْرى المُقْتِرَ
صفحة ٤٥
وَهَلْ يَصِحُّ الإيثارُ مِن كُلِّ إنْسانٍ، ولَوْ كانَ ذا عِيالٍ أوْ تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ غَيْرِهِ أمْ لا ؟ وما عَلاقَتُهُ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وَيَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩] ؟ .والجَوابُ عَلى هَذا كُلِّهِ في كَلامِ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣]، في أوَّلِ سُورَةِ ”البَقَرَةِ“ .
قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ عَبَّرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِمَنِ التَّبْعِيضِيةِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ يُنْفِقُ لِوَجْهِ اللَّهِ بَعْضَ ما لَهُ كُلِّهِ، ولَمْ يُبَيِّنْ هُنا القَدْرَ الَّذِي يَنْبَغِي إنْفاقُهُ، والَّذِي يَنْبَغِي إمْساكُهُ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في مَواضِعَ أُخْرى أنَّ القَدْرَ الَّذِي يَنْبَغِي إنْفاقُهُ هو الزّائِدُ عَلى الحاجَةِ، وسَدِّ الخَلَّةِ الَّتِي لابُدَّ مِنها، وذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَيَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ﴾، والمُرادُ بِالعَفْوِ الزّائِدُ عَلى قَدْرِ الحاجَةِ الَّتِي لابُدَّ مِنها عَلى أصَحِّ التَّفْسِيراتِ، وهو مَذْهَبُ الجُمْهُورِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى عَفَوْا﴾ [الأعراف: ٩٥] أيْ: كَثُرُوا وكَثُرَتْ أمْوالُهم وأوْلادُهم.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: العَفْوُ نَقِيضُ الجُهْدِ، وهو أنْ يُنْفِقَ ما لا يَبْلُغُ إنْفاقُهُ مِنهُ الجُهْدَ واسْتِفْراغَ الوُسْعِ.
وَمِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
خُذِي العَفْوَ مِنِّي تَسْتَدِيمِي مَوَدَّتِي ∗∗∗ ولا تَنْطِقِي في سَوْرَتِي حِينَ أغْضَبُ
وَهَذا القَوْلُ راجِعٌ إلى ما ذَكَرْنا، وبَقِيَّةُ الأقْوالِ ضَعِيفَةٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩]، فَنَهاهُ عَنِ البُخْلِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ﴾، ونَهاهُ عَنِ الإسْرافِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾، فَيَتَعَيَّنُ الوَسَطُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، كَما بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا وكانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] .فَيَجِبُ عَلى المُنْفِقِ أنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ الجُودِ والتَّبْذِيرِ، وبَيْنَ البُخْلِ والإقْتارِ، فالجُودُ غَيْرُ التَّبْذِيرِ، والِاقْتِصادُ غَيْرُ البُخْلِ فالمَنعُ في مَحَلِّ الإعْطاءِ مَذْمُومٌ، وقَدْ نَهى اللَّهُ عَنْهُ نَبِيَّهُ ﷺ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ﴾، والإعْطاءُ في مَحَلِّ المَنعِ مَذْمُومٌ أيْضًا، وقَدْ نَهى اللَّهُ عَنْهُ نَبِيَّهُ ﷺ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾
صفحة ٤٦
وَقَدْ قالَ الشّاعِرُ:لا تَمْدَحَنَّ ابْنَ عِبادٍ وإنْ هَطَلَتْ ∗∗∗ يَداهُ كالمُزْنِ حَتّى تَخْجَلَ الدِّيَما
فَإنَّها خَطَراتٌ مِن وساوِسِهِ ∗∗∗ يُعْطِي ويَمْنَعُ لا بُخْلًا ولا كَرَمًا
وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى في مَواضِعَ أُخْرى أنَّ الإنْفاقَ المَحْمُودَ لا يَكُونُ كَذَلِكَ إلّا إذا كانَ مَصْرِفُهُ الَّذِي صُرِفَ فِيهِ مِمّا يُرْضِي اللَّهَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾ ١ الآيَةَ [البقرة: ٢١٥]، وصَرَّحَ في أنَّ الإنْفاقَ فِيما لا يُرْضِي اللَّهَ حَسْرَةٌ عَلى صاحِبِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٣٦] .وَقَدْ قالَ الشّاعِرُ:
إنَّ الصَّنِيعَةَ لا تَكُونُ صَنِيعَةً ∗∗∗ حَتّى يُصابَ بِها طَرِيقُ المَصْنَعِ
فَإنْ قِيلَ: هَذا الَّذِي قَرَّرْتُمْ يَقْتَضِي أنَّ الإنْفاقَ المَحْمُودَ هو إنْفاقُ ما زادَ عَنِ الحاجَةِ الضَّرُورِيَّةِ، مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أثْنى عَلى قَوْمٍ بِالإنْفاقِ وهم في حاجَةٍ إلى ما أنْفَقُوا، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] .فالظّاهِرُ في الجَوابِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ: هو ما ذَكَرَهُ بَعْضُ العُلَماءِ مِن أنَّ لِكُلِّ مَقامٍ مَقالًا، فَفي بَعْضِ الأحْوالِ يَكُونُ الإيثارُ مَمْنُوعًا، وذَلِكَ كَما إذا كانَتْ عَلى المُنْفِقِ نَفَقاتٌ واجِبَةٌ كَنَفَقَةِ الزَّوْجاتِ ونَحْوِها فَتَبَرَّعَ بِالإنْفاقِ في غَيْرِ واجِبٍ، وتَرَكَ الفَرْضَ لِقَوْلِهِ ﷺ: «وابْدَأْ بِمَن تَعُولُ»، وكَأنْ يَكُونَ لا صَبْرَ عِنْدَهُ عَنْ سُؤالِ النّاسِ فَيُنْفِقُ مالَهُ، ويَرْجِعُ إلى النّاسِ يَسْألُهم مالَهم، فَلا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ ؟ والإيثارُ فِيما إذا كانَ لَمْ يُضَيِّعْ نَفَقَةً واجِبَةً، وكانَ واثِقًا مِن نَفْسِهِ بِالصَّبْرِ، والتَّعَفُّفِ، وعَدَمِ السُّؤالِ.
وَأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَمِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ يَعْنِي بِهِ الزَّكاةَ، فالأمْرُ واضِحٌ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. انْتَهى مِنهُ.
والواقِعُ أنَّ لِلْإنْفاقِ في القُرْآنِ مَراتِبَ ثَلاثَةً:
الأُولى: الإنْفاقُ مِن بَعْضِ المالِ بِصِفَةٍ عامَّةٍ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ .
صفحة ٤٧
الثّانِيَةُ: الإنْفاقُ مِمّا يُحِبُّهُ الإنْسانُ ويَحْرِصُ عَلَيْهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَآتى المالَ عَلى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وهَذا أخَصُّ مِنَ الأوَّلِ، وقَوْلِهِ: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾ الآيَةَ [الإنسان: ٨] .الثّالِثَةُ: الإنْفاقُ مَعَ الإيثارِ عَلى النَّفْسِ كَهَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾ فَهي أخَصُّ مِنَ الخاصِّ الأوَّلِ.
وَتُعْتَبَرُ المَرْتَبَةُ الأُولى هي الحَدُّ الأدْنى في الواجِبِ، حَتّى قِيلَ: إنَّ المُرادَ بِها الزَّكاةُ، وهي تَشْمَلُ النّافِلَةَ، وتَصْدُقُ عَلى أدْنى شَيْءٍ ولَوْ شِقِّ تَمْرَةٍ، وتَدْخُلُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧]، وتُعْتَبَرُ المَرْتَبَةُ الثّالِثَةُ هي الحَدُّ الأقْصى؛ لِأنَّها إيثارٌ لِلْغَيْرِ عَلى خاصَّةِ النَّفْسِ، والمَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ هي الوُسْطى بَيْنَهُما، وهي الحَدُّ الوَسَطُ بَيْنَ الِاكْتِفاءِ بِأقَلِّ الواجِبِ، وبَيْنَ الإيثارِ عَلى النَّفْسِ وهي مِيزانُ التَّوَسُّطِ لِعامَّةِ النّاسِ، كَما بَيَّنَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩]، وكَما امْتَدَحَ اللَّهُ تَعالى قَوْمًا بِالِاعْتِدالِ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا وكانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] .
وَهَذا هو عَيْنُ تَطْبِيقِ قاعِدَةِ الفَلْسَفَةِ الأخْلاقِيَّةِ القائِلَةِ: الفَضِيلَةُ وسَطٌ بَيْنَ طَرَفَيْنِ أيْ: طَرَفَيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ، فالشَّجاعَةُ مَثَلًا وسَطٌ بَيْنَ التَّهَوُّرِ والجُبْنِ، والكَرَمُ وسَطٌ بَيْنَ التَّبْذِيرِ والتَّقْتِيرِ.
وَلِلْإنْفاقِ جَوانِبُ مُتَعَدِّدَةٌ، وأحْكامٌ مُتَفاوِتَةٌ، قَدْ بَيَّنَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - جانِبًا مِنَ الأحْكامِ، وقَدْ بَيَّنَ القُرْآنُ الجَوانِبَ الأُخْرى، وتَنْحَصِرُ في الآتِي: نَوْعِ ما يَقَعُ مِنهُ الإنْفاقُ، الجِهَةِ المُنْفَقِ عَلَيْها، مَوْقِفِ المُنْفِقِ، وصُورَةِ الإنْفاقِ.
أمّا ما يَقَعُ مِنهُ الإنْفاقُ: قَدْ بَيَّنَهُ تَعالى أوَّلًا مِن كَسْبٍ حَلالٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ ومِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنهُ تُنْفِقُونَ ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلّا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧] .
وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] .
أمّا الجِهَةُ المُنْفَقِ عَلَيْها: فَكَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾
صفحة ٤٨
[البقرة: ٢١٥] فَبَدَأ بِالوالِدَيْنِ بِرًّا لَهُما، وثَنّى بِالأقْرَبِينَ.وَقالَ ﷺ: «الصَّدَقَةُ عَلى القَرِيبِ صَدَقَةٌ وصِلَةٌ، وعَلى البَعِيدِ صَدَقَةٌ» ثُمَّ اليَتامى وهَذا واجِبٌ إنْسانِيٌّ وتَكافُلٌ اجْتِماعِيٌّ، لِأنَّ يَتِيمَ اليَوْمِ مُنْفِقُ الغَدِ، ووَلَدَ الأبَوَيْنِ اليَوْمَ قَدْ يَكُونُ يَتِيمًا غَدًا، أيْ: أنَّ مَن أحْسَنَ إلى اليَتِيمِ اليَوْمَ قَدْ يَتْرُكُ أيْتامًا، فَيُحْسِنُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ اليَتِيمُ الَّذِي أحْسَنْتَ إلَيْهِ بِالأمْسِ، ”والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ“ أُمُورٌ عامَّةٌ.
وَجاءَ بِالقاعِدَةِ العامَّةِ الَّتِي يُحاسِبُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْها ويُجازِي صاحِبَها ﴿وَما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ﴾ أيْ: مُطْلَقًا فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ [البقرة: ٢١٥]، وكَفى في ذَلِكَ عِلْمُهُ تَعالى.
أمّا مَوْقِفُ المُنْفِقِ وصُورَةُ الإنْفاقِ: فَإنَّ هَذا هو سِرُّ النَّفَقَةِ في الإسْلامِ، وفَلْسَفَةُ الإنْفاقِ كُلُّها تَظْهَرُ في هَذا الجانِبِ، مِمّا تَمَيَّزَ بِهِ الإسْلامُ دُونَ غَيْرِهِ مِن جَمِيعِ الأدْيانِ أوِ النُّظُمِ.
لِأنَّهُ يُرَكِّزُ عَلى الحِفاظِ عَلى شُعُورِ وإحْساسِ المِسْكِينِ، بِحَيْثُ لا يُشْعِرُهُ بِجُرْحِ المَسْكَنَةِ، ولا ذِلَّةِ الفاقَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أنْفَقُوا مَنًّا ولا أذًى لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٢] .
ثُمَّ فاضَلَ بَيْنَ الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ والصَّدَقَةِ المُؤْذِيَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ ومَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى واللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٣] يُعْطِي ولا يَمُنُّ بِالعَطاءِ.
وَأفْهَمَ المُنْفِقِينَ أنَّ المَنَّ والأذى يُبْطِلُ الصَّدَقَةَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ [البقرة: ٢٦٤] لِما فِيهِ مِن جَرْحِ شُعُورِ المِسْكِينِ.
وَقَدْ حَثَّ عَلى إخْفائِها إمْعانًا في الحِفاظِ عَلى شُعُورِهِ وإحْساسِهِ: «إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هي» أيْ: مَعَ الآدابِ السّابِقَةِ «وَإنْ تُخْفُوها وتُؤْتُوها الفُقَراءَ فَهو خَيْرٌ لَكم» [البقرة: ٢٧١] أيْ: لَكم أنْتُمْ في حِفْظِ ثَوابِها.
وَقَدْ جَعَلَ ﷺ مِنَ السَّبْعَةِ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَحْتَ ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلّا ظِلُّهُ «رَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأخْفاها، حَتّى لا تَعْلَمَ شِمالُهُ ما أنْفَقَتْ يَمِينُهُ»، وكَما قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ سِرًّا وعَلانِيَةً فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٤] .
صفحة ٤٩
وَمِن خَصائِصِ الإسْلامِ في هَذا البابِ أنَّهُ كَما أدَّبَ الأغْنِياءَ في طَرِيقَةِ الإنْفاقِ فَقَدْ أدَّبَ الفُقَراءَ في طَرِيقَةِ الأخْذِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا في الأرْضِ يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهم بِسِيماهم لا يَسْألُونَ النّاسَ إلْحافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] .