قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أنْصارَ اللَّهِ كَما قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ﴾ الآيَةَ
فِي هَذِهِ الآيَةِ أيْضًا إشْعارُ المُسْلِمِينَ بِالنَّصْرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأيَّدْنا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأصْبَحُوا ظاهِرِينَ﴾ [الصف: ١٤]، ولَكِنْ لَمْ يُبَيِّنْ فِيها هَلْ كانُوا أنْصارَ اللَّهِ كَما كانَ الحَوارِيُّونَ أنْصارَ اللَّهِ أمْ لا ؟
وَقَدْ جاءَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم بِالفِعْلِ أنْصارُ اللَّهِ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الحَشْرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا ويَنْصُرُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ [الحشر: ٨] .
وَكَذَلِكَ الأنْصارُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ﴾ [التوبة: ١٠٠]، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ والَّذِينَ مَعَهُ أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهم تَراهم رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا﴾ [الفتح: ٢٩] فَأشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ هو مَعْنى يَنْصُرُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ، ثُمَّ جاءَ المَثَلُ المَضْرُوبُ لَهم بِالتَّآزُرِ والتَّعاوُنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَثَلُهم في الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أخْرَجَ شَطْأهُ فَآزَرَهُ فاسْتَغْلَظَ فاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ﴾ [الفتح: ٢٩] فَسَمّاهم أنْصارًا، وبَيَّنَ نُصْرَتَهم سَواءٌ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.