Adwa' Al-Bayan

Multiple Ayahs

Tags

Download Links

Adwa' Al-Bayan tafsir for Surah Al-Muzzammil — Ayah 1

يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمُزَّمِّلُ ١

صفحة ٣٥٧

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.

سُورَةُ المُزَّمِّلِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها المُزَّمِّلُ﴾ ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾

بَيَّنَ تَعالى المُرادَ مِنَ المِقْدارِ المَطْلُوبِ قِيامُهُ بِما جاءَ بَعْدَهُ ﴿نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ﴾ [المزمل: ٣]، أيْ: مِن نِصْفِهِ أوْ زِدْ عَلَيْهِ، أيْ: عَلى نِصْفِهِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ وما بَعْدَها بَيانٌ لِمُجْمَلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٧٩] .

وَفِيها بَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ القِيامِ، وهو بِتَرْتِيلِ القُرْآنِ، وفِيها رَدٌّ عَلى مَسْألَتَيْنِ اخْتُلِفَ فِيهِما.

الأُولى مِنهُما: عَدَدُ رَكَعاتِ قِيامِ اللَّيْلِ، أهْوَ ثَمانِي رَكَعاتٍ أوْ أكْثَرُ ؟

وَقَدْ خُيِّرَ ﷺ بَيْنَ هَذِهِ الأزْمِنَةِ مِنَ اللَّيْلِ، فَتَرَكَ ذَلِكَ لِنَشاطِهِ واسْتِعْدادِهِ وارْتِياحِهِ. فَلا يُمْكِنُ التَّعَبُّدُ بِعَدَدٍ لا يَصِحُّ دُونَهُ ولا يَجُوزُ تَعَدِّيهِ، واخْتُلِفَ في قِيامِ رَمَضانَ خاصَّةً، والأوْلى أنْ يُؤْخَذَ بِما ارْتَضاهُ السَّلَفُ، وقَدْ قَدَّمْنا في هَذِهِ المَسْألَةِ رِسالَةً عامَّةً هي رِسالَةُ التَّراوِيحِ أكْثَرَ مِن ألْفِ عامٍ في مَسْجِدِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وقَدِ اسْتَقَرَّ العَمَلُ عَلى عِشْرِينَ في رَمَضانَ.

والمَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ما يَذْكُرُهُ الفُقَهاءُ في كَيْفِيَّةِ قِيامِ اللَّيْلِ عامَّةً: هَلِ الأفْضَلُ كَثْرَةُ الرَّكَعاتِ لِكَثْرَةِ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ ؟، وحَيْثُ إنَّ أقْرَبَ ما يَكُونُ العَبْدُ إلى اللَّهِ وهو ساجِدٌ، أمْ طُولَ القِيامِ لِلْقِراءَةِ ؟ حَيْثُ إنَّ لِلْقارِئِ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرَ حَسَناتٍ، فَهُنا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤]، نَصَّ عَلى أنَّ العِبْرَةَ بِتَرْتِيلِ القُرْآنِ تَرْتِيلًا، وأكَّدَ بِالمَصْدَرِ تَأْكِيدًا لِإرادَةِ هَذا المَعْنى، كَما قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ”لا تَنْثُرُوهُ نَثْرَ الرَّمْلِ، ولا تَهُذُّوهُ هَذَّ الشِّعْرِ ؟ قِفُوا عِنْدَ عَجائِبِهِ، وحَرِّكُوا بِهِ القُلُوبَ، ولا يَكُنْ هَمُّ أحَدِكم آخِرَ السُّورَةِ“ .

وَقَدْ «بَيَّنَتْ أُمُّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - تِلاوَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِقَوْلِها: كانَ يُقَطِّعُ قِراءَتَهُ آيَةً آيَةً: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]» . رَواهُ أحْمَدُ.

صفحة ٣٥٨

وَفِي الصَّحِيحِ «عَنْ أنَسٍ: سُئِلَ عَنْ قِراءَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَ: كانَتْ مَدًّا، ثُمَّ قَرَأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَمُدُّ بِسْمِ اللَّهِ ويَمُدُّ الرَّحْمَنِ، ويَمُدُّ الرَّحِيمِ» .

تَنْبِيهٌ.

إنْ لِلْمَدِّ حُدُودًا مَعْلُومَةً في التَّجْوِيدِ حَسَبَ تَلَقِّي القُرّاءِ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -، فَما زادَ عَنْها فَهو تَلاعُبٌ، وما قَلَّ عَنْها فَهو تَقْصِيرٌ في حَقِّ التِّلاوَةِ.

وَمِن هَذا يُعْلَمُ أنَّ المُتَّخِذِينَ القُرْآنَ كَغَيْرِهِ في طَرِيقَةِ الأداءِ مِن تَمْطِيطٍ وتَزَيُّدٍ لَمْ يُراعُوا مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، ولا يَمْنَعُ ذَلِكَ تَحْسِينَ الصَّوْتِ بِالقِراءَةِ، كَما في قَوْلِهِ ﷺ: «زَيِّنُوا القُرْآنَ بِأصْواتِكم» .

وَقالَ أبُو مُوسى - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «لَوْ كُنْتُ أعْلَمُ أنَّكَ تَسْمَعُ قِراءَتِي؛ لَحَبَّرْتُهُ لَكَ تَحْبِيرًا» . وهَذا الوَصْفُ هو الَّذِي يَتَأتّى مِنهُ الغَرَضُ مِنَ التِّلاوَةِ، وهو التَّدَبُّرُ والتَّأمُّلُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ﴾ [النساء: ٨٢]، كَما أنَّهُ هو الوَصْفُ الَّذِي يَتَأتّى مَعَهُ الغَرَضُ مِن تَخَشُّعِ القَلْبِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣]، ولا تَتَأثَّرُ بِهِ القُلُوبُ والجُلُودُ إلّا إذا كانَ مُرَتَّلًا، فَإذا كانَ هَذا كالشِّعْرِ أوِ الكَلامِ العادِيِّ لَما فُهِمَ، وإذا كانَ مُطْرِبًا كالأغانِي لَما أثَّرَ. فَوَجَبَ التَّرْتِيلُ كَما بَيَّنَ ﷺ .

⁕ ⁕ ⁕

* قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):

صفحة ٤٢٦

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ المُزَّمِّلِ

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها المُزَّمِّلُ﴾ ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ .

وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ - إلى قَوْلِهِ - ﴿وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ الآيَةَ [المزمل: ٢٠]، يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ قِيامِ اللَّيْلِ عَلى الأُمَّةِ، لِأنَّ أمْرَ القُدْوَةِ أمْرٌ لِأتْباعِهِ.

وَقَوْلُهُ: ﴿وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ دَلِيلٌ عَلى عَدَمِ الخُصُوصِ بِهِ ﷺ .

وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ ما يَدُلُّ عَلى خِلافِ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]، وقَوْلِهِ: ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ﴾ [المزمل: ٢٠]، والجَوابُ ظاهِرٌ، وهو أنَّ الأخِيرَ ناسِخٌ لِلْأوَّلِ ثُمَّ نُسِخَ الأخِيرُ أيْضًا بِالصَّلَواتِ الخَمْسِ.