قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾
”رانَ“: بِمَعْنى غَطّى كَما في الحَدِيثِ: «إذا أذْنَبَ العَبْدُ نُكِتَ في قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْداءُ، وما يَزالُ كَذَلِكَ حَتّى يُغَطِّيَهُ» الحَدِيثَ.
وَقالَ الشّاعِرُ:
وَكَمْ رانَ مِن ذَنْبٍ عَلى قَلْبِ فاجِرِ فَتابَ مِنَ الذَّنْبِ الَّذِي رانَ فانْجَلى
وَقالَ أبُو حَيّانَ: وأصْلُ الرَّيْنِ: الغَلَبَةُ، يُقالُ: رانَتِ الخَمْرُ عَلى عَقْلِ شارِبِها واشْتَدَّتْ:ثُمَّ لَمّا رَآهُ رانَتْ بِهِ الخَـ ∗∗∗ ـمْرُ وألّا يُرِيَهُ بِانْتِفاءِ
بَيانُ القِراءاتِ في هَذِهِ الآيَةِ:قالَ أبُو حَيّانَ: قُرِئَ ”بَلْ رانَ“ بِإدْغامِ اللّامِ في الرّاءِ، وبِالإظْهارِ وقَفَ حَفْصٌ عَلى ”بَلْ“ وقْفًا خَفِيفًا يَسِيرًا لِيَتَبَيَّنَ الإظْهارُ.
وَقالَ أبُو جَعْفَرِ بْنِ الباذِشِ: وأجْمَعُوا - يَعْنِي القُرّاءَ - عَلى إدْغامِ اللّامِ في الرّاءِ، إلّا ما كانَ مِن سَكْتِ حَفْصٍ عَلى ”بَلْ“، ثُمَّ يَقُولُ: ”رانَ“ .
وَهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ كَما ذَكَرَ مِنَ الإجْماعِ.
فَفِي كِتابِ ”اللَّوامِعِ“ عَنْ قالُونَ مِن جَمِيعِ طُرُقِهِ: إظْهارُ اللّامِ عِنْدَ الرّاءِ نَحْوَ قَوْلِهِ:
صفحة ٤٦٣
﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨] ”بَلْ رَبُّكم“ [الأنبياء: ٥٦] .وَفِي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ. وقَرَأ نافِعٌ: ”بَلْ رانَ“ مِن غَيْرِ مُدْغَمٍ.
وَفِيهِ أيْضًا: وقَرَأ نافِعٌ أيْضًا بِالإدْغامِ والإمالَةِ.
وَقالَ سِيبَوَيْهِ: البَيانُ والإدْغامُ حَسَنانِ.
وَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ بِإدْغامِ اللّامِ في الرّاءِ، وبِالإظْهارِ والإدْغامِ أجْوَدُ، وأُمِيلَتِ الألِفُ وفُخِّمَتْ. اهـ.
أمّا المَعْنى فَقَدْ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيانُ ذَلِكَ وافِيًا في سُورَةِ ”الكَهْفِ“ عِنْدَ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ الآيَةَ [الكهف: ٥٧] .