قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾
قالَ أبُو حَيّانَ: وجَوابُ القَسَمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾، قِيلَ: مَحْذُوفٌ، فَقِيلَ: لَتُبْعَثُنَّ ونَحْوُهُ، وقِيلَ: مَذْكُورٌ، فَقِيلَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [البروج: ١٠] ونَحْوُهُ، وقِيلَ: ”قُتِلَ“، وهَذا نَخْتارُهُ، وحُذِفَتِ اللّامُ - أيْ لَقُتِلَ -
صفحة ٤٨١
وَحَسُنَ حَذْفُها كَما حَسُنَ في قَوْلِهِ: ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ [الشمس: ١]، ثُمَّ قالَ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ [الشمس: ٩]، أيْ: لَقَدْ أفْلَحَ، ويَكُونُ الجَوابُ دَلِيلًا عَلى لَعْنَةِ اللَّهِ عَلى مَن فَعَلَ ذَلِكَ، وتَنْبِيهًا لِكُفّارِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ؛ لِيَفْتِنُوهم عَنْ دِينِهِمْ.وَإذا كانَ ”قُتِلَ“ هي الجَوابَ فَهي جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ، وإذا كانَ الجَوابُ غَيْرَها فَهي جُمْلَةٌ إنْشائِيَّةٌ، دُعاءٌ عَلَيْهِمْ.
وَقُرِئَ: ”قُتِّلَ“ بِالتَّشْدِيدِ، قَرَأها الحَسَنُ وابْنُ مِقْسَمٍ، وقَرَأها الجُمْهُورُ بِالتَّخْفِيفِ. اهـ.
والأُخْدُودُ: جَمْعُ خَدٍّ، وهو الشَّقُّ في الأرْضِ طَوِيلًا. وقَوْلُهُ: ﴿النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾، الوَقُودُ بِالضَّمِّ وبِالفَتْحِ، والقِراءَةُ بِالفَتْحِ كالسَّحُورِ، والوَضُوءِ. فَبِالفَتْحِ: ما تُوقِدُ بِهِ كَصَبُورٍ والماءُ المُتَوَضَّأُ بِهِ، والطَّعامُ المُتَسَحَّرُ بِهِ. وبِالضَّمِّ: المَصْدَرُ والفِعْلُ، والوُقُودُ بِالضَّمِّ: ما تُوقِدُ بِهِ.
ذَكَرَ صاحِبُ القامُوسِ، و ﴿النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾: بَدَلٌ مِنَ الأُخْدُودِ.
وَقِيلَ في مَعْناها عِدَّةُ أقْوالٍ، حَتّى قالَ أبُو حَيّانَ: كَسَلْتُ عَنْ نَقْلِها.
وَنَقَلَ الفَخْرُ الرّازِيُّ ثَلاثَةً مِنها.
والمَشْهُورُ عِنْدَ ابْنِ كَثِيرٍ ما رَواهُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «كانَ فِيمَن كانَ قَبْلَكم مَلِكٌ، وكانَ لَهُ ساحِرٌ، فَلَمّا كَبِرَ السّاحِرُ قالَ لِلْمَلِكِ: إنِّي قَدْ كَبِرَ سِنِّي، وحَضَرَ أجَلِي، فادْفَعْ إلَيَّ غُلامًا لِأُعَلِّمَهُ السِّحْرَ، فَدَفَعَ إلَيْهِ غُلامًا كانَ يُعَلِّمُهُ السِّحْرَ، وكانَ بَيْنَ السّاحِرِ والمَلِكِ راهِبٌ، فَأتى الغُلامُ الرّاهِبَ، فَسَمِعَ مِن كَلامِهِ فَأعْجَبَهُ، وكانَ إذا أتى السّاحِرَ ضَرَبَهُ، وقالَ ما حَبَسَكَ ؟ وإذا أتى أهْلَهُ ضَرَبُوهُ وقالُوا: ما حَبَسَكَ ؟ فَشَكا ذَلِكَ إلى الرّاهِبِ، فَقالَ: إذا أرادَ السّاحِرُ ضَرْبَكَ، فَقُلْ: حَبَسَنِي أهْلِي، وإذا أرادَ أهْلُكَ أنْ يَضْرِبُوكَ، فَقُلْ: حَبَسَنِيَ السّاحِرُ، فَبَيْنَما هو ذاتَ يَوْمٍ، إذْ أتى عَلى دابَّةٍ عَظِيمَةٍ فَظِيعَةٍ قَدْ حَبَسَتِ النّاسَ، فَلا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَجُوزُوا، فَقالَ: اليَوْمَ أعْلَمُ أمْرَ الرّاهِبِ أحَبَّ إلى اللَّهِ أمْ أمْرَ السّاحِرِ ؟ قالَ: فَأخَذَ حَجَرًا، فَقالَ: اللَّهُمَّ إنْ كانَ أمْرُ الرّاهِبِ أحَبَّ إلَيْكَ وأرْضى مِن أمْرِ السّاحِرِ، فاقْتُلْ هَذِهِ الدّابَّةَ حَتّى يَجُوزَ النّاسُ، ورَماها فَقَتَلَها، ومَضى النّاسُ فَأخْبَرَ الرّاهِبَ بِذَلِكَ، فَقالَ: أيْ بُنَيَّ، أنْتَ أفْضَلُ مِنِّي، وإنَّكَ سَتُبْتَلى، فَإنِ ابْتُلِيتَ فَلا صفحة ٤٨٢
وَقَدْ سُقْنا هَذِهِ القِصَّةَ، وهي مِن أمْثَلِ ما جاءَ في هَذا المَعْنى لِما فِيها مِنَ
صفحة ٤٨٣
العِبَرِ، والَّتِي يُمْكِنُ أنْ يُسْتَفادَ مِنها بَعْضُ الأحْكامِ، حَيْثُ إنَّ ابْنَ كَثِيرٍ، عَزاها لِلْإمامِ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ومُسْلِمٍ، أيْ لِصِحَّةِ سَنَدِها مَرْفُوعَةٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ مِن ذَلِكَ الآتِي:الأوَّلُ: أنَّ السِّحْرَ بِالتَّعَلُّمِ كَما جاءَ في قِصَّةِ المَلَكَيْنِ بِبابِلَ، هارُوتَ ومارُوتَ يُعَلِّمانِ النّاسَ السِّحْرَ.
الثّانِي: إمْكانُ اجْتِماعِ الخَيْرِ مَعَ الشَّرِّ، إذا كانَ الشَّخْصُ جاهِلًا بِحالِ الشَّرِّ، كاجْتِماعِ الإيمانِ مَعَ الرّاهِبِ مَعَ تَعَلُّمِ السِّحْرِ مِنَ السّاحِرِ.
ثالِثًا: إجْراءُ خَوارِقِ العاداتِ عَلى أيْدِي دُعاةِ الخَيْرِ، لِبَيانِ الحَقِّ، والتَّثْبِيتِ في الأمْرِ، كَما قالَ الغُلامُ: اليَوْمَ أعْلَمُ أمْرَ الرّاهِبِ أحَبَّ إلى اللَّهِ أمْ أمْرَ السّاحِرِ ؟
الرّابِعُ: أنَّهُ كانَ أمْيَلَ بِقَلْبِهِ إلى أمْرِ الرّاهِبِ، إذْ قالَ: اللَّهُمَّ إنْ كانَ أمْرُ الرّاهِبِ أحَبَّ إلَيْكَ، فَسَألَ عَنْ أمْرِ الرّاهِبِ ولَمْ يَسَلْ عَنْ أمْرِ السّاحِرِ ؟
الخامِسُ: اعْتِرافُ العالِمِ بِالفَضْلِ لِمَن هو أفْضَلُ مِنهُ، كاعْتِرافِ الرّاهِبِ لِلْغُلامِ.
السّادِسُ: ابْتِلاءُ الدُّعاةِ إلى اللَّهِ ووُجُوبُ الصَّبْرِ عَلى ذَلِكَ، وتَفاوُتُ دَرَجاتِ النّاسِ في ذَلِكَ.
السّابِعُ: إسْنادُ الفِعْلِ كُلِّهِ لِلَّهِ، إنَّما يَشْفِي اللَّهُ.
الثّامِنُ: رَفْضُ الدّاعِي إلى اللَّهِ الأجْرَ عَلى عَمَلِهِ وهِدايَتِهِ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إنْ﴾ [الأنعام: ٩٠] .
التّاسِعُ: بَيانُ رُكْنٍ أصِيلٍ في قَضِيَّةِ التَّوَسُّلِ، وهو أنَّ مَبْناهُ عَلى الإيمانِ بِاللَّهِ، ثُمَّ الدُّعاءِ وسُؤالِ اللَّهِ تَعالى.
العاشِرُ: غَباوَةُ المَلِكِ المُشْرِكِ المُغْلَقِ قَلْبُهُ بِظَلامِ الشِّرْكِ، حَيْثُ ظَنَّ في نَفْسِهِ أنَّهُ الَّذِي شَفى جَلِيسَهُ. وهو لَمْ يَفْعَلْ لَهُ شَيْئًا، وكَيْفَ يَكُونُ وهو لا يَعْلَمُ ؟
الحادِيَ عَشَرَ: اللُّجُوءُ إلى العُنْفِ والبَطْشِ عِنْدَ العَجْزِ عَنِ الإقْناعِ والإفْهامِ أُسْلُوبُ الجَهَلَةِ والجَبابِرَةِ.
الثّانِيَ عَشَرَ: مُنْتَهى القَسْوَةِ والغِلْظَةِ في نَشْرِ الإنْسانِ، بِدُونِ هَوادَةٍ.
صفحة ٤٨٤
الثّالِثَ عَشَرَ: مُنْتَهى الصَّبْرِ وعَدَمِ الرُّجُوعِ عَنِ الدِّينِ، وهَكَذا كانَ في الأُمَمِ الأُولى، وبَيانُ فَضْلِ اللَّهِ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ، إذْ جازَ لَها التَّلَفُّظُ بِما يُخالِفُ عَقِيدَتَها وقَلْبُها مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ.وَقَدْ جاءَ عَنِ الفَخْرِ الرّازِيِّ قَوْلُهُ:
الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ المُكْرَهَ عَلى الكُفْرِ بِالإهْلاكِ العَظِيمِ الأوْلى بِهِ أنْ يَصْبِرَ عَلى ما خُوِّفَ مِنهُ، وأنَّ إظْهارَ كَلِمَةِ الكُفْرِ كالرُّخْصَةِ في ذَلِكَ، وقالَ: ورَوى الحَسَنُ «أنَّ مُسَيْلِمَةَ أخَذَ رَجُلَيْنِ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ لِأحَدِهِما: تَشْهَدُ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ ؟ فَقالَ: نَعَمْ، فَتَرَكَهُ، وقالَ لِلْآخَرِ مِثْلَهُ، فَقالَ: لا، بَلْ أنْتَ كَذّابٌ، فَقَتَلَهُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”أمّا الَّذِي تَرَكَ فَأخَذَ بِالرُّخْصَةِ فَلا تَبِعَةَ عَلَيْهِ، وأمّا الَّذِي قُتِلَ فَأخَذَ بِالأفْضَلِ فَهَنِيئًا لَهُ“» .
وَتَقَدَّمَ بَحْثُ هَذِهِ المَسْألَةِ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - .
الرّابِعَ عَشَرَ: إجابَةُ دَعْوَةِ الغُلامِ ونُصْرَةُ اللَّهِ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِما شِئْتَ.
الخامِسَ عَشَرَ: التَّضْحِيَةُ بِالنَّفْسِ في سَبِيلِ نَشْرِ الدَّعْوَةِ، حَيْثُ دَلَّ الغُلامُ المَلِكَ عَلى الطَّرِيقَةِ الَّتِي يَتَمَكَّنُ الغُلامُ بِها مِن إقْناعِ النّاسِ بِالإيمانِ بِاللَّهِ، ولَوْ كانَ الوُصُولُ لِذَلِكَ عَلى حَياتِهِ هو.
السّادِسَ عَشَرَ: إبْقاءُ جِسْمِهِ حَتّى زَمَنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إكْرامًا لِأوْلِياءِ اللَّهِ والدُّعاةِ مِن أنْ تَأْكُلَ الأرْضُ أجْسامَهم.
السّابِعَ عَشَرَ: إثْباتُ دَلالَةِ القُدْرَةِ عَلى البَعْثِ.
الثّامِنَ عَشَرَ: حَياةُ الشُّهَداءِ لِوُجُودِ الدَّمِ وعَوْدَةِ اليَدِ مَكانَها بِحَرَكَةٍ مَقْصُودَةٍ.
التّاسِعَ عَشَرَ: مَعْرِفَةُ تِلْكَ القِصَّةِ عِنْدَ أهْلِ مَكَّةَ حَيْثُ حُدِّثُوا بِها تَخْوِيفًا مِن عَواقِبِ أفْعالِهِمْ بِضَعَفَةِ المُؤْمِنِينَ، كَما هو مُوَضَّحٌ في تَمامِ القِصَّةِ.
العِشْرُونَ: نُطْقُ الصَّبِيِّ الرَّضِيعِ بِالحَقِّ.