Adwa' Al-Bayan

Multiple Ayahs

Tags

Download Links

Adwa' Al-Bayan tafsir for Surah At-Tariq — Ayah 8

إِنَّهُۥ عَلَىٰ رَجۡعِهِۦ لَقَادِرٞ ٨

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾، ”إنَّهُ“ هُنا أيْ: إنَّ اللَّهَ ”عَلى رَجْعِهِ“، الضَّمِيرُ فِيهِ قِيلَ: راجِعٌ لِلْماءِ الدّافِقِ، أيْ: أنَّهُ سُبْحانَهُ قادِرٌ عَلى رَجْعِ هَذا الماءِ مِن حَيْثُ خَرَجَ، كَرَدِّ اللَّبَنِ إلى الضَّرْعِ مَثَلًا، ورَدِّ الطِّفْلِ إلى الرَّحِمِ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ عِكْرِمَةَ ومُجاهِدٍ.

وَقِيلَ: عَلى رَجْعِ الإنْسانِ بَعْدَ المَوْتِ، وهَذا وإنْ كانَ في الأوَّلِ دَلالَةٌ عَلى القُدْرَةِ، ولا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا اللَّهُ، إلّا أنَّ في السِّياقِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ هو الثّانِي؛ لِعِدَّةِ أُمُورٍ:

الأوَّلُ: أنَّ رَدَ الماءِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حُكْمٌ ولا أمْرٌ آخَرُ سِوى إثْباتِ القُدْرَةِ، بِخِلافِ رَجْعِ الإنْسانِ بَعْدَ المَوْتِ، فَهو قَضِيَّةُ الإيمانِ بِالبَعْثِ. ويَتَعَلَّقُ بِهِ كُلُّ أحْكامِ يَوْمِ القِيامَةِ.

الثّانِي: مَجِيءُ القُرْآنِ بِالخَلْقِ الأوَّلِ دَلِيلٌ عَلى الإعادَةِ بَعْدَ المَوْتِ، كَقَوْلِهِ تَعالى في ”يس“: ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا ونَسِيَ خَلْقَهُ﴾ أيْ: مِن ماءٍ دافِقٍ: ﴿قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٨ - ٧٩]، أيْ: ﴿مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ .

الثّالِثُ: أنِ الأوَّلَ يَحْتاجُ مَعَهُ إلى تَقْدِيرِ عامِلٍ لِـ ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾، نَحْوُ اذْكُرْ مَثَلًا، بِخِلافِ الثّانِي، فَإنَّ العامِلَ فِيهِ: هو ”لَقادِرٌ“، أيْ: لَقادِرٌ عَلى رَجْعِهِ يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ.

وَنَقَلَ أبُو حَيّانَ عَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ قَوْلَهُ: وكُلُّ مَن خالَفَ ذَلِكَ إنَّما فَرَّ مِن أنْ يَكُونَ: ”لَقادِرٌ“ هو العامِلُ في الظَّرْفِ؛ لِأنَّهُ يُوهِمُ أنَّ قُدْرَتَهُ عَلى رَجْعِهِ مُقَيَّدَةٌ بِذَلِكَ، ولَكِنْ بِتَأمُّلِ أُسْلُوبِ العَرَبِ يُعْلَمُ جَوازُهُ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ عَلى الإطْلاقِ أوَّلًا وآخِرًا، وفي كُلِّ وقْتٍ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى وخَصَّصَ مِنَ الأوْقاتِ الوَقْتَ الأهَمَّ

صفحة ٤٩٤

عَلى الكُفّارِ؛ لِأنَّهُ وقْتُ الجَزاءِ والوُصُولِ إلى العَذابِ لِلتَّحْذِيرِ مِنهُ. اهـ.

فَظَهَرَ بِذَلِكَ أنَّ الضَّمِيرَ في ”رَجْعِهِ“ عائِدٌ لِلْإنْسانِ، أيْ: بَعْدَ مَوْتِهِ بِالبَعْثِ، وأنَّ العامِلَ هو: ”لَقادِرٌ“ .