Tafsir al-Tabari
18:2 - 18:3

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣) ﴾

يقول تعالى ذكره: أنزل على عبده القرآن معتدلا مستقيما لا عوج فيه لينذركم أيها الناس بأسا من الله شديدا، وعنى بالبأس العذاب العاجل، والنكال الحاضر والسطوة، وقوله: ﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾ يعني: من عند الله.

وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾ عاجل عقوبة في الدنيا، وعذابا في الآخرة. ﴿مِنْ لَدُنْه﴾ : أي من عند ربك الذي بعثك رسولا.

⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، بنحوه.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾ : أي من عنده.

فإن قال قائل: فأين مفعول قوله ﴿لِيُنْذِرَ﴾ فإن مفعوله محذوف اكتفى بدلالة ما ظهر من الكلام عليه من ذكره، وهو مضمر متصل بينذر قبل البأس، كأنه قيل: لينذركم بأسا، كما قيل: ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ [آل عمران: ١٧٥] إنما هو: يخوّفكم أولياءه.

* *

وقوله: ﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾

يقول: ويبشر المصدقين الله ورسوله ﴿الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾ وهو العمل بما أمر الله بالعمل به، والانتهاء عما نهى الله عنه ﴿أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾ يقول: ثوابا جزيلا لهم من الله على إيمانهم بالله ورسوله، وعملهم في الدنيا الصالحات من الأعمال، وذلك الثواب: هو الجنة التي وعدها المتقون.

* *

وقوله: ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾

خالدين، لا ينتقلون عنه، ولا ينقلون، ونصب ماكثين على الحال من قوله: ﴿أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾ في هذه الحال في حال مكثهم في ذلك الأجر.

وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سَلَمة، عن ابن إسحاق ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ : أي في دار خلد لا يموتون فيها، الذين صدقوك بما جئت به عن الله، وعملوا بما أمرتهم.