Tafsir al-Tabari
23:38 - 23:41

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (٣٨) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٣٩) قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ (٤٠) ﴾

يقول تعالى ذكره: قالوا ما صالح إلا رجل اختلق على الله كذبا في قوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ وفي وعده إياكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مُخرجون.

* *

وقوله: ﴿هُوَ﴾

من ذكر الرسول، وهو صالح. ﴿وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ يقول: وما نحن له بمصدقين فيما يقول: إنه لا إله لنا غير الله، وفيما يعدنا من البعث بعد الممات.

* *

وقوله: ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾

يقول: قال صالح لما أيس من إيمان قومه بالله، ومن تصديقهم إياه بقولهم: ﴿وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ربّ انصرني على هؤلاء بما كذّبون يقول: بتكذيبهم إياي فيما دعوتهم إليه من الحقِّ، فاستغاث صلوات الله عليه بربه من أذاهم إياه، وتكذيبهم له، فقال الله له مجيبًا في مسألته إياه ما سأله: عن قليل يا صالح ليصبحن مكذبوك من قومك على تكذيبهم إياك نادمين، وذلك حين تَنزل بهم فتنتنا فلا ينفعهم الندم.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤١) ﴾

يقول تعالى ذكره: فانتقمنا منهم، فأرسلنا عليهم الصيحة، فأخذتهم بالحقّ، وذلك أن الله عاقبهم باستحقاقهم العقاب منه بكفرهم به، وتكذيبهم رسوله ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾ يقول: فصيرناهم بمنزلة الغثاء، وهو ما ارتفع على السيل ونحوه، كما لا ينتفع به في شيء فإنما هذا مثل، والمعنى: فأهلكناهم فجعلناهم كالشيء الذي لا منفعة فيه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ يقول: جعلوا كالشيء الميت البالي من الشجر.

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿غُثَاءً﴾ كالرميم الهامد، الذي يحتمل السيل.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾ قال: كالرميم الهامد الذي يحتمل السيل.

⁕ حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾ قال: هو الشيء البالي.

⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر. عن قتادة، مثله.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾ قال: هذا مثل ضربه الله.

* *

وقوله: ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾

يقول: فأبعد الله القوم الكافرين بهلاكهم؛ إذ كفروا بربهم، وعصوا رسله، وظلموا أنفسهم.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قال: أولئك ثمود، يعني قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ .