Welcome to the Tafsir Tool!
This allows users to review and suggest improvements to the existing tafsirs.
If you'd like to contribute to improving this tafsir, simply click the Request Access button below to send a request to the admin. Once approved, you'll be able to start suggesting improvements to this tafsir.
يَقُولُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ أَيْ: هُمْ مَعَ [[في ف: "في" وفي أ: "من".]] إِحْسَانِهِمْ وَإِيمَانِهِمْ وَعَمَلِهِمُ الصَّالِحِ، مُشْفِقُونَ مِنَ اللَّهِ خَائِفُونَ مِنْهُ، وَجِلُونَ مِنْ مَكْرِهِ بِهِمْ، كَمَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ جَمَعَ إِحْسَانًا وَشَفَقَةً، وَإِنَّ الْمُنَافِقَ جَمَعَ إِسَاءَةً وَأَمْنًا.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ أَيْ: يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِهِ الْكَوْنِيَّةِ وَالشَّرْعِيَّةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ مَرْيَمَ، عَلَيْهَا السَّلَامُ: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾ [التَّحْرِيمِ: ١٢] ، أَيْ: أَيْقَنَتْ أَنَّ مَا كَانَ فَإِنَّمَا هُوَ عَنْ قَدَرِ اللَّهِ وَقَضَائِهِ، وَمَا شَرَعَهُ اللَّهُ فَهُوَ إِنْ كَانَ أَمْرًا فَمِمَّا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ، وَإِنْ كَانَ نَهْيًا [[في ف: "منهيا".]] فَهُوَ مِمَّا يَكْرَهُهُ وَيَأْبَاهُ، وَإِنْ كَانَ خَيْرًا فَهُوَ حَقٌّ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾ أَيْ: لَا يَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ، بَلْ يُوَحِّدُونَهُ وَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَحَدًا صَمَدًا، لَمْ يَتَّخِذْ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا، وَأَنَّهُ لَا نَظِيرَ لَهُ وَلَا كُفْءَ لَهُ.
* * *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ أَيْ: يُعْطُونَ الْعَطَاءَ [[في ف: "العطاء فيه".]] وَهُمْ خَائِفُونَ [[في أ: "خائفون وجلون".]] أَلَّا يُتَقَبَّلَ مِنْهُمْ، لِخَوْفِهِمْ [[في ف: "تخوفهم".]] أَنْ يَكُونُوا قَدْ قَصَّرُوا فِي الْقِيَامِ بِشُرُوطِ الْإِعَطَاءِ. وَهَذَا مِنْ بَابِ الْإِشْفَاقِ وَالِاحْتِيَاطِ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَل، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ ، هُوَ الَّذِي يَسْرِقُ وَيَزْنِي وَيَشْرَبُ الْخَمْرَ، وَهُوَ يَخَافُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ؟ قَالَ: "لَا يَا بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ، يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُ الَّذِي يُصَلِّي وَيَصُومُ وَيَتَصَدَّقُ، وَهُوَ يَخَافُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ".
وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، مِنْ حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ مِغْوَل، بِهِ بِنَحْوِهِ [[المسند (٦/١٥٩) وسنن الترمذي برقم (٣١٧٥) .]] . وَقَالَ: "لَا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يُصَلُّونَ وَيَصُومُونَ وَيَتَصَدَّقُونَ، وَهُمْ يَخَافُونَ أَلَّا يُقْبَلَ مِنْهُمْ، ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: ورُوي هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ حديث عبد الرحمن بن سعيد، عن أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَ هَذَا [[سنن الترمذي برقم (٣١٧٥) .]] .
وَهَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ.
وَقَدْ قَرَأَ آخَرُونَ هَذِهِ الْآيَةَ: "وَالَّذِينَ يَأْتُونَ مَا أَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ" أَيْ: يَفْعَلُونَ مَا يَفْعَلُونَ وَهُمْ خَائِفُونَ، وَرُوِيَ هَذَا مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيَّ ﷺ أَنَّهُ قَرَأَ كَذَلِكَ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا صَخْرُ بْنُ جُوَيْرِية، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنِي أَبُو خَلَفٍ مَوْلَى بَنِي جُمَح: أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ عُبَيد بْنِ عُمَيْر عَلَى [[في أ: "إلى".]] عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، فَقَالَتْ: مَرْحَبًا بِأَبِي عَاصِمٍ، مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَزُورَنَا -أَوْ: تُلِمّ بِنَا؟ -فَقَالَ: أَخْشَى أَنْ أمُلَّك. فَقَالَتْ: مَا كُنْتَ لِتَفْعَلَ؟ قَالَ: جِئْتُ لِأَسْأَلَ [[في ف: "لأسألك".]] عَنْ آيَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَؤُهَا؟ قَالَتْ: أيَّة آيَةٍ؟ فَقَالَ: ﴿الَّذِينَ يَأْتُونَ مَا أَتَوْا﴾ أَوِ ﴿الَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾ ؟ فَقَالَتْ: أَيَّتُهُمَا [[في أ: "أيتها".]] أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ فَقُلْتُ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لِإِحْدَاهُمَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا جَمِيعًا [[في ف: "جميعها".]] -أَوِ: الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا-قَالَتْ: وَمَا هِيَ؟ فَقُلْتُ: ﴿الَّذِينَ يَأْتُونَ مَا أَتَوْا﴾ فَقَالَتْ: أَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَذَلِكَ كَانَ يَقْرَؤُهَا، وَكَذَلِكَ أُنْزِلَتْ، وَلَكِنَّ الْهِجَاءَ حَرْفٌ [[المسند (٦/٩٥) .]] .
إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ الْمَكِّيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَالْمَعْنَى عَلَى الْقِرَاءَةِ الْأُولَى -وَهِيَ قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ: السَّبْعَةِ وَغَيْرِهِمْ-أَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ ، فَجَعَلَهُمْ مِنَ السَّابِقِينَ. وَلَوْ كَانَ الْمَعْنَى عَلَى الْقِرَاءَةِ الْأُخْرَى لَأَوْشَكَ أَلَّا يَكُونُوا مِنَ السَّابِقِينَ، بَلْ مِنَ الْمُقْتَصِدِينَ أَوِ الْمُقَصِّرِينَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.