Welcome to the Tafsir Tool!
This allows users to review and suggest improvements to the existing tafsirs.
If you'd like to contribute to improving this tafsir, simply click the Request Access button below to send a request to the admin. Once approved, you'll be able to start suggesting improvements to this tafsir.
يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَكِنَّا خَصَصْنَاكَ -يَا مُحَمَّدُ -بِالْبِعْثَةِ إِلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْأَرْضِ، وَأَمَرْنَاكَ أَنَّ تُبَلِّغَ النَّاسَ هَذَا الْقُرْآنُ، ﴿لأنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٩] ، ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هُودٍ: ١٧] ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الْأَنْعَامِ: ٩٢] ، ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٥٨] . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: "بُعِثْتُ إِلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ" وَفِيهِمَا: "وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً"؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ﴾ يَعْنِي: بِالْقُرْآنِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿جِهَادًا كَبِيرًا﴾ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ٧٣،التَّحْرِيمِ: ٩] .
* * *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ أَيْ: خَلَقَ الْمَاءَيْنِ: الْحُلْوَ وَالْمِلْحَ، فَالْحُلْوُ كَالْأَنْهَارِ وَالْعُيُونِ وَالْآبَارِ، وَهَذَا هُوَ الْبَحْرُ الْحُلْوُ الْفُرَاتُ الْعَذْبُ الزُّلَالُ. قَالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَهَذَا الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْوُجُودِ بَحْرٌ سَاكِنٌ وَهُوَ عَذْبٌ فُرَاتٌ. وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ إِنَّمَا أَخْبَرَ بِالْوَاقِعِ [[في أ: "عن الواقع".]] لِيُنَبِّهَ الْعِبَادَ عَلَى نِعَمِهِ عَلَيْهِمْ لِيَشْكُرُوهُ، فَالْبَحْرُ الْعَذْبُ هُوَ هَذَا السَّارِحُ بَيْنَ النَّاسِ، فَرَقَهُ تَعَالَى بَيْنَ خِلْقِهِ لِاحْتِيَاجِهِمْ إِلَيْهِ أَنْهَارًا وَعُيُونًا فِي كُلِّ أَرْضٍ بِحَسَبِ حَاجَتِهِمْ وَكِفَايَتِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ وَأَرَاضِيهِمْ.* * *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ أَيْ: مَالِحٌ مُرّ زُعَاقٌ لَا يُسْتَسَاغُ، وَذَلِكَ كَالْبِحَارِ الْمَعْرُوفَةِ فِي الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ: الْبَحْرِ الْمُحِيطِ وَمَا يَتَّصِلُ بِهِ مِنَ الزُّقَاقِ وَبَحْرِ الْقُلْزُمِ، وَبَحْرِ الْيَمَنِ، وَبَحْرِ الْبَصْرَةِ، وَبَحْرِ فَارِسَ وَبَحْرِ الصِّينِ وَالْهِنْدِ وَبَحْرِ الرُّومِ وَبَحْرِ الْخَزَرِ، وَمَا شَاكَلَهَا وَشَابَهَهَا [[في أ: "وأشبهها".]] مِنَ الْبِحَارِ السَّاكِنَةِ الَّتِي لَا تَجْرِي، وَلَكِنْ تَتَمَوَّجُ وَتَضْطَرِبُ وَتَغْتَلِمُ فِي زَمَنِ الشِّتَاءِ وَشِدَّةِ الرِّيَاحِ، وَمِنْهَا مَا فِيهِ مَدٌّ وجَزْر، فَفِي أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ يَحْصُلُ مِنْهَا مَدٌّ وَفَيْضٌ [[في أ: "وقيض".]] ، فَإِذَا شَرَعَ الشَّهْرُ فِي النُّقْصَانِ جَزَرت، حَتَّى تَرْجِعَ إِلَى غَايَتِهَا الْأُولَى، فَإِذَا اسْتَهَلَّ الْهِلَالُ مِنَ الشَّهْرِ الْآخَرِ شَرَعَتْ فِي الْمَدِّ إِلَى اللَّيْلَةِ الرَّابِعَةِ عَشْرَةَ [[في أ: "عشر".]] ثُمَّ تَشْرَعُ فِي النَّقْصِ، فَأَجْرَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى -وَلَهُ الْقُدْرَةُ التَّامَّةُ -الْعَادَةَ بِذَلِكَ. فَكُلُّ هَذِهِ الْبِحَارِ السَّاكِنَةِ خَلَقَهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَالِحَةَ الْمَاءِ، لِئَلَّا يَحْصُلَ بِسَبَبِهَا نَتَنُ الْهَوَاءِ، فَيَفْسَدُ الْوُجُودُ بِذَلِكَ، وَلِئَلَّا تَجْوَى الْأَرْضُ بِمَا يَمُوتُ فِيهَا مِنَ الْحَيَوَانِ. وَلَمَّا كَانَ مَاؤُهَا مِلْحًا كَانَ هَوَاؤُهَا صَحِيحًا وَمَيْتَتُهَا طَيِّبَةً؛ وَلِهَذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقد سُئِلَ عَنْ مَاءِ الْبَحْرِ: أَنَتَوَضَّأُ بِهِ؟ فَقَالَ: "هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ". رَوَاهُ الْأَئِمَّةُ: مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَأَهْلُ السُّنَنِ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ [[سبق تخريجه عند تفسير الآية: ٣ من سورة المائدة.]] .* * *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا﴾ أَيْ: بَيْنَ الْعَذْبِ وَالْمَالِحِ ﴿بَرْزَخًا﴾ أَيْ: حَاجِزًا، وَهُوَ اليَبَس مِنَ الْأَرْضِ، ﴿وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ أَيْ: مَانِعًا أَنْ يَصِلَ أَحَدُهُمَا إِلَى الْآخَرِ، كَمَا قَالَ: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرَّحْمَنِ: ١٩ -٢١] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النَّمْلِ: ٦١] .* * *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ أَيْ: خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ ضَعِيفَةٍ، فَسَوَّاهُ وعَدّله، وَجَعْلَهُ كَامِلَ الْخِلْقَةِ، ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، كَمَا يَشَاءُ، ﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ ، فَهُوَ فِي ابْتِدَاءِ أَمْرِهِ وَلَدٌ نَسِيبٌ، ثُمَّ يَتَزَوَّجُ فَيَصِيرُ صِهْرًا، ثُمَّ يَصِيرُ لَهُ أَصْهَارٌ وَأُخْتَانٌ وَقَرَابَاتٌ. وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ .