Tafsir al-Tabari
27:17 - 27:17

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧) ﴾

يقول تعالى ذكره: وجمع لسليمان جنوده من الجنّ والإنس والطير في مسير لهم، فهم يوزعون.

واختلف أهل التأويل في معنى قوله ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ فقال بعضهم: معنى ذلك: فهم يحبس أوّلهم على آخرهم حتى يجتمعوا.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس، قال: جعل على كل صنف من يرد أولاها على أُخراها لئلا يتقدموا في المسير، كما تصنع الملوك.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا أبو سفيان عن معمر، عن قَتادة في قوله: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ قال: يردّ أوّلهم على آخرهم.

وقال آخرون: معنى ذلك فهم يساقون.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ قال: يوزعون: يُساقون.

وقال آخرون: بل معناه: فهم يتقدمون.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان عن معمر، قال: قال الحسن: ﴿يُوزَعُونَ﴾ يتقدمون.

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: معناه: يردّ أوّلهم على آخرهم؛ وذلك أن الوازع في كلام العرب هو الكافّ، يقال منه: وزع فلان فلانا عن الظلم: إذا كفَّه عنه، كما قال الشاعر:

أَلَمْ يَزَعِ الهَوَى إذْ لَمْ يُؤَاتِ ... بَلى وَسَلَوْت عَنْ ضَلَب الفَتاة [[الوزع: كف النفس عن هواها. وزعه وبه يزع (بفتح الزاي وكسرها) وزعًا كفه، ويؤات يوافق. قال في اللسان: واتاه على الأمر: طاوعه. والمؤاتاة: حسن المطاوعة وآتيته على ذلك الأمر مؤاتاه: إذا وافقته وطاوعته. والعامة تقول: واتَيْتُهُ. ولا تقل. واتَيْتُهُ. إلا في لغة لأهل اليمن ومثله آسيت، وآكلت، وآمرت وإنما جعلوها واوًا على تخفيف الهمزة]]

وقال آخر:

عَلى حِينَ عاتَبْتُ الْمَشيبَ عَلى الصّبا ... وقُلْتُ ألَمَّا أصْحُ والشَّيْبُ وَازع [[البيت للنابغة الذبياني من قصيدة يعتذر بها إلى النعمان بن المنذر (مختار الشعر لجاهلي شرح مصطفى السقا، طبعة الحلبي ١٥٦ وما بعدها) قال صحا: أفاق والوازع الكاف الزاجر عن اللهو والصبا الصبوة، والميل إلى التشبه بأعمال الصبيان من الطيش واللهو]]

وإنما قيل للذين يدفعون الناس عن الولاة والأمراء: وزعة: لكفهم إياهم عنه.