Tafsir al-Tabari
31:32 - 31:32

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (٣٢) ﴾

يقول تعالى ذكره: وإذا غشى هؤلاء الذين يدعون من دون الله الآلهة والأوثان في البحر -إذا ركبوا في الفُلك- موج كالظُلل، وهي جمع ظُلَّة، شبَّه بها الموج في شدة سواد كثرة الماء، قال نابغة بني جعدة في صفة بحر:

يُماشِيهِنَّ أخْضَرُ ذُو ظلال ... عَلى حافاتِهِ فِلَق الدّنانِ [[البيت في (مجاز القرآن لأبي عبيدة الورقة ١٩١ ب) قال عند تفسير قوله تعالى: (وإذا غشيهم موج كالظلل) : واحدتها: ظلة. ومجازه: من شدة سواد كثرة الماء ومعظمه. قال النابغة الجعدي وهو يصف البحر: "يماشيهن ... فلق الدنان". يريد: أن البحر يمتد معهن في سيرهن. وظلال البحر: أمواجه، لأنها ترفع فتظل السفينة ومن فيها. والدنان بالدال المهملة: جمع دن بالفتح، هو راقود الخمر الكبير.]]

وشبه الموج وهو واحد بالظلل، وهي جماع، لأن الموج يأتي شيء منه بعد شيء، ويركب بعضه بعضا كهيئة الظلل.

* *

وقوله: ﴿دَعَوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ﴾

يقول تعالى ذكره: وإذا غشى هؤلاء موج كالظلل، فخافوا الغرق، فزعوا إلى الله بالدعاء مخلصين له الطاعة، لا يشركون به هنالك شيئا، ولا يدعون معه أحدا سواه، ولا يستغيثون بغيره.

* *

قوله: ﴿فَلَمَّا نجَّاهُمْ إلى البَرّ﴾

مما كانوا يخافونه في البحر من الغرق والهلاك إلى البرّ. ﴿فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ يقول: فمنهم مقتصد في قوله وإقراره بربه، وهو مع ذلك مضمر الكفر به.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ قال: المقتصد في القول وهو كافر.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ قال: المقتصد الذي على صلاح من الأمر.

* *

وقوله: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾

يقول تعالى ذكره: وما يكفر بأدلتنا وحججنا إلا كلّ غدّار بعهده، والختر عند العرب: أقبح الغدر، ومنه قول عمرو بن معد يكرب:

وَإنَّكَ لَوْ رأيْتَ أبا عُمَيْرٍ ... مَلأتَ يَدَيْكَ مِنْ غَدْرٍ وَخَتْرٍ [[البيت في (مجاز القرآن لأبي عبيدة، الورقة ١٩١ ب) عند تفسير قوله تعالى: (كل مختار كفور) قال: الختر: الكبر والغدر، قال عمرو بن معد يكرب "وإنك لو رأيت" البيت وفي (اللسان ختر) : الختر شبيه بالغدر والخديعة، وقيل: هو الخديعة بعينها، وقيل: هو أسوأ الغدر وأقبحه، ختر يختر، فهو خاتر، وختار للمبالغة، والفعل من بابي ضرب ونصر.]]

* *

وقوله: ﴿كَفُور﴾

يعني: جحودا للنعم، غير شاكر ما أسدى إليه من نعمة.

وبنحو الذي قلنا في معنى الختار قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن ليث، عن مجاهد ﴿كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ قال: كلّ غَدّار.

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿كُلُّ خَتَّارٍ﴾ قال: غدّار.

⁕ حدثني يعقوب وابن وكيع، قالا ثنا ابن علية، عن أبي رجاء عن الحسن في قوله: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ قال: غدّار.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة قوله: (وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ) الختار: الغدار، كلّ غدار بذمته كفور بربه.

⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ قال: كلّ جحاد كفور.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ قال: الختار: الغدّار، كما تقول: غدرني.

⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن مسعر، قال: سمعت قَتادة قال: الذي يغدر بعهده.

⁕ قال: ثنا المحاربي، عن جُوَيبر، عن الضحاك، قال: الغدّار.

⁕ قال: ثنا أبي: عن الأعمش، عن سمر بن عطية الكاهلي، عن عليّ رضي الله عنه قال: المكر غدر، والغدر كفر.