Welcome to the Tafsir Tool!
This allows users to review and suggest improvements to the existing tafsirs.
If you'd like to contribute to improving this tafsir, simply click the Request Access button below to send a request to the admin. Once approved, you'll be able to start suggesting improvements to this tafsir.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ [[في أ: "بشير".]] ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَة، عَنْ أَبِيهِ [[في ت: "وروى الإمام أحمد بإسناده".]] عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا؛ أَنَّهَا كَانَتْ تُعَيِّر [[في ف: "تغير من النساء" وفي أ: "تغير النساء".]] النِّسَاءَ اللَّاتِي وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَتْ: أَلَا تَسْتَحِي الْمَرْأَةُ أَنْ تَعْرِضَ نَفْسَهَا بِغَيْرِ صَدَاقٍ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ ، قَالَتْ: إِنِّي أرَى رَبَّك إلا يُسَارع فِي هَوَاكَ [[المسند (٦/١٥٨) .]] .
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْبُخَارِيَّ رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَة، فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿تُرْجِي﴾ أَيْ: تُؤَخِّرُ ﴿مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ أَيْ: مِنَ الْوَاهِبَاتِ [أَنْفُسِهِنَّ] [[زيادة من ت.]] ﴿وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ أَيْ: مَنْ شِئْتَ قَبِلْتَهَا، ومَنْ شِئْتَ رَدَدْتَهَا، ومَنْ رَدَدْتَهَا فَأَنْتَ فِيهَا أَيْضًا بِالْخِيَارِ بعد ذلك، إن شِئْتَ عُدْتَ فِيهَا فَآوَيْتَهَا؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ . قَالَ عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ فِي قَوْلِهِ: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ : كُنْ نِسَاءً وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَدَخَلَ بِبَعْضِهِنَّ وَأَرْجَأَ بِعَضَهُنَّ لَمْ يُنْكحن بَعْدَهُ، مِنْهُنَّ أُمُّ شَرِيكٍ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ أَيْ: مِنْ أَزْوَاجِكَ، لَا حَرَجَ عَلَيْكَ أَنْ تَتْرُكَ القَسْم لَهُنَّ، فَتُقَدِّمْ مَنْ شِئْتَ، وَتُؤَخِّرْ مَنْ شِئْتَ، وَتُجَامِعْ مَنْ شِئْتَ، وَتَتْرُكْ مَنْ شِئْتَ.
هَكَذَا يُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَأَبِي رَزين، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَغَيْرُهُمْ، وَمَعَ هَذَا كَانَ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، يَقْسِمُ لَهُنَّ؛ وَلِهَذَا ذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ الْقَسْمُ وَاجِبًا عَلَيْهِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَاحْتَجُّوا بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ.
وَقَالَ [[في ت:"وروى".]] الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا حَبَّانُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ -هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ -أَخْبَرَنَا عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ، عَنْ مُعَاذة [[في أ: "معاذ".]] عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَسْتَأْذِنُ فِي يَوْمِ الْمَرْأَةِ مِنَّا بَعْدَ أَنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ ، فَقُلْتُ لَهَا: مَا كُنْتِ تَقُولِينَ؟ فَقَالَتْ: كُنْتُ أَقُولُ: إِنْ كَانَ ذَاكَ إليَّ فَإِنِّي لَا أُرِيدُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ أُؤْثِرَ عَلَيْكَ أَحَدًا [[صحيح البخاري برقم (٤٧٨٩) .]] .
فَهَذَا الْحَدِيثُ عَنْهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ [[في أ: "في".]] ذَلِكَ عَدَمُ وُجُوبِ الْقَسْمِ، وَحَدِيثُهَا الْأَوَّلُ يَقْتَضِي أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْوَاهِبَاتِ، وَمِنْ هَاهُنَا اخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ الْآيَةَ عَامَّةٌ فِي الْوَاهِبَاتِ وَفِي النِّسَاءِ اللَّاتِي عِنْدَهُ، أَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِيهِنَّ إِنْ شَاءَ قَسَمَ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَقْسِمْ. وَهَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ حَسَنٌ جَيِّدٌ قَوِيٌّ، وَفِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ أَيْ: إِذَا عَلِمْنَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ وَضَعَ عَنْكَ [[في أ: "عليك".]] الحَرَج فِي الْقَسْمِ، فَإِنْ شِئْتَ قَسَمْتَ، وَإِنْ شِئْتَ لَمْ تَقْسِمْ، لَا جُنَاحَ عَلَيْكَ فِي أَيِّ ذَلِكَ فَعَلْتَ، ثُمَّ مَعَ هَذَا أَنْتَ تَقْسِمُ لَهُنَّ اخْتِيَارًا مِنْكَ لَا أَنَّهُ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ، فَرِحْنَ بِذَلِكَ وَاسْتَبْشَرْنَ بِهِ وَحَمَلْنَ جَمِيلَكَ فِي ذَلِكَ، وَاعْتَرَفْنَ بِمِنَّتِكَ [[في أ: "بأمانتك".]] عَلَيْهِنَّ فِي قَسْمِكَ لَهُنَّ وَتَسْوِيَتِكَ بَيْنَهُنَّ وَإِنْصَافِكَ لَهُنَّ وَعَدْلِكَ فِيهِنَّ.
* * *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أَيْ: مِنَ الْمَيْلِ إِلَى بَعْضِهِنَّ دُونَ بَعْضٍ، مِمَّا لَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ، كَمَا قَالَ [[في ت: "كما روى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ:حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلابة، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْسِمُ بَيْنَ نِسَائِهِ فَيَعْدِلُ، ثُمَّ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ هَذَا فِعْلِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أملك".
وَرَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةُ، مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ - [[المسند (٦/١٤٤) وسنن أبي داود برقم (٢١٣٤) وسنن الترمذي برقم (١١٤٠) وسنن النسائي (٧/٦٣) وسنن ابن ماجه برقم (١٩٧١) .]] وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ بَعْدَ قَوْلِهِ: فَلَا تَلُمْنِي [[في أ: "فلا تملني".]] فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ: يَعْنِي الْقَلْبَ. وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَرِجَالُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ. وَلِهَذَا عَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ أَيْ: بِضَمَائِرِ السَّرَائِرِ، ﴿حَلِيمًا﴾ أَيْ: يَحْلُمُ وَيَغْفِرُ.