Tafsir Ibn Kathir
34:31 - 34:33

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ تَمَادِي الْكُفَّارِ فِي طُغْيَانِهِمْ وَعِنَادِهِمْ وَإِصْرَارِهِمْ عَلَى عَدَمِ الْإِيمَانِ بِالْقُرْآنِ وَمَا أَخْبَرَ بِهِ مِنْ أَمْرِ الْمَعَادِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُتَهَدِّدًا لَهُمْ وَمُتَوَعِّدًا، وَمُخْبِرًا عَنْ مَوَاقِفِهِمُ الذَّلِيلَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي حَالِ تُخَاصِمِهِمْ وَتَحَاجِّهِمْ: ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ مِنْهُمْ وَهُمُ الْأَتْبَاعُ ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ وَهُمْ قَادَتُهُمْ وَسَادَتُهُمْ: ﴿لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ أَيْ: لَوْلَا أَنْتُمْ تَصُدُّونَا، لَكُنَّا اتَّبَعْنَا الرُّسُلَ وَآمَنَّا بِمَا جاؤونا بِهِ. فَقَالَ لَهُمُ الْقَادَةُ وَالسَّادَةُ، وَهُمُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا: ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ﴾ أَيْ: نَحْنُ مَا فَعَلْنَا بِكُمْ [[في س، أ: "بكم ذلك".]] أَكْثَرَ مِنْ أنَّا دَعَوْنَاكُمْ فَاتَّبَعْتُمُونَا مِنْ غَيْرِ [[في ت، س، أ: "بغير".]] دَلِيلٍ وَلَا بُرْهَانٍ، وَخَالَفْتُمُ الْأَدِلَّةَ وَالْبَرَاهِينَ وَالْحُجَجَ الَّتِي جَاءَتْ بِهَا الْأَنْبِيَاءُ، لِشَهْوَتِكُمْ وَاخْتِيَارِكُمْ لِذَلِكَ؛ وَلِهَذَا قَالُوا: ﴿بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ. وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَار﴾ أَيْ: بَلْ كُنْتُمْ تَمْكُرُونَ بِنَا لَيْلًا وَنَهَارًا، وتَغُرّونا وتُمَنّونا، وَتُخْبِرُونَا أَنَّا عَلَى هُدًى وَأَنَّا عَلَى شَيْءٍ، فَإِذَا جَمِيعُ ذَلِكَ بَاطِلٌ وكَذبٌ ومَيْن.

قَالَ قَتَادَةُ، وَابْنُ زَيْدٍ [[في ت، أ: "ابن زيد بن أسلم".]] : ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ يَقُولُ: بَلْ مَكْرُهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ. وَكَذَا قَالَ مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: مَكْرُهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ.

﴿إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ أَيْ نُظَرَاءَ وَآلِهَةً مَعَهُ، وتقيموا لنا شُبَهًا وأشياءَ من الْمُحَالِ تُضِلُّونَا بِهَا ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾ أَيِ: الْجَمِيعُ مِنَ السَّادَةِ وَالْأَتْبَاعِ، كُلٌّ نَدم عَلَى مَا سَلَف مِنْهُ.

﴿وَجَعَلْنَا الأغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ : وَهِيَ السَّلَاسِلُ الَّتِي تَجْمَعُ أَيْدِيهِمْ مَعَ أَعْنَاقِهِمْ، ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [[في ت، س: "هل تجزون إلا ما كنتم تعلمون".]] أَيْ: إِنَّمَا نُجَازِيكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ [[في أ: "نجازيهم بأعمالهم".]] ، كُلٌّ بِحَسْبِهِ، لِلْقَادَةِ عَذَابٌ بِحَسْبِهِمْ، وَلِلْأَتْبَاعِ بِحَسْبِهِمْ ﴿قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٣٨] .

قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا فَرْوَة بْنُ أَبِي الْمِغْرَاءِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ [[في أ: "سليم".]] بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ ضِرَارِ بْنِ صُرَد، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الهُذَيل [[في ت: "روى ابن أبي حاتم بإسناده".]] ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ جَهَنَّمَ لَمَّا سِيقَ إِلَيْهَا أَهْلُهَا تَلَقَّاهم لَهَبُهَا، ثُمَّ لَفَحَتْهُم لَفْحَةً فَلَمْ يَبْقَ لَحْمٌ [[في ت: "فلم يبق لهم لحم".]] إِلَّا سَقَطَ عَلَى الْعُرْقُوبِ". [[ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٤٨٤٨) "مجمع البحرين" وأبو نعيم في الحلية (٤/٣٦٣) من طرق عن محمد بن سليمان الأصبهاني، به. وقال الهيثمى في المجمع (١٠/٣٨٩) : "وفيه محمد بن سليمان الأصبهاني وهو ضعيف".]]

وَحَدَّثَنَا [[في ت: "وروى".]] أَبِي، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحُوَارَى، حَدَّثَنَا الطَّيِّبُ أَبُو الْحَسَنِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ يَحْيَى الخُشَني قَالَ: مَا فِي جَهَنَّمَ دَارٌ وَلَا مَغَارٌ وَلَا غِلٌّ وَلَا سِلْسِلَةٌ وَلَا قَيْدٌ، إِلَّا اسْمُ صَاحِبِهَا عَلَيْهِ مَكْتُوبٌ. قَالَ: فَحَدَّثْتُهُ أَبَا سُلَيْمَانَ -يَعْنِي: الدَّارَانِيَّ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ [[في ت: "رحمه الله".]] -فَبَكَى ثُمَّ قَالَ: وَيْحَكَ. فَكَيْفَ بِهِ لَوْ جُمِعَ هَذَا كُلُّهُ عَلَيْهِ، فَجُعِلَ الْقَيْدُ فِي رِجْلَيْهِ، والغُلّ فِي يَدَيْهِ وَالسِّلْسِلَةُ فِي عُنُقِهِ، ثُمَّ أُدْخِلَ النَّارَ وَأُدْخِلَ الْمَغَارُ؟!